فخاتمة تجربة هؤلاء الناس هو الخذلان، ورفع الهداية عنهم في حمل الحق الذي يحبه الله تعالى منهم، وخيانة الأمانة التي حملها الناس لهم، وهي تجربةٌ تهدي أهل الحق أن عاقبة الحق وحمله فيها المشقة والبلاء لكن العاقبة الإيمانية هي القصد حتى لو كانت الشهادة، لأنها هي التي تقيم الحجة الالهية، وهي التي يحصل بها التمايز في الخلق، فإن الاختلاط لا يحبه الله تعالى ولا يرضاه للناس، وهي تهديهم أن البدع قد تبدو سهلةً يسيرة في أولها لكن الله تعالى يقيم لهؤلاء من البلاء ما يكشف بهم حقائق قلوبهم، فإن طوائف العمل السياسي على غير هُدى الشرع والدين كانت الأعذارلهم أنهم مستضعفون، وكانت حجتهم تسري على هذا المعنى، ولكن الله تعالى أكذبهم فيما حصل لهم من التمكين فإنهم بذلوا الوسع في إرضاء الخلق على حساب حق الله تعالى ودينه وكان شأنهم الرعاية لأحزابهم دون الدين الجامع لأخوَّة الإسلام مع غيرهم وكانوا أقرب إلى إرضاء أعداء الدين من الزنادقة العَلمانيين من إرضاء والاجتماع مع أهل الإسلام، وهم على هذه الشِرعة إلى يومنا هذا في تونس وغيرها وكأن القوم أقسموا بالأيّمان أن يُقيموا الباطل لا الحق ما استطاعوا سبيلًا، ومن أعجب ما هم عليه ظنهم أن ما يقع بهم من البلاء هو امتحانٌ رباني لا عقوبةً إلهية على جهلهم وفساد منهجهم، وهذا إن كان على معنى محتمل فيما وقع لهم زمن الاستضعاف لكن تفسير البلاء والعذاب اليوم على هذا المعنى هو الجهل المُرَكَّبُ والضلال البعيد، وإن إمامتهم على نفس السبيل من عدم البراءة من المشركين؛ زنادقةً وعَلمانيين، وعدم تسميتهم بأسمائهم الشرعية، وعدم رفعهم راية الجهاد ضدهم لهو من أعظم الأدلة على عدم رجوعهم إلى الحق البيِّنِ الجليّ.
ثم إن من نتائج هذه الفترة القصيرة في زمنها، لكنها الغنية في معانيها كشفُ زيف الشعارات الخادعة كالسلفية، فإن ما وقع به أتباع هذا الشعار في مصر خاصةً لهو أكبر دليلٍ أن مآل هذه الشعارات هو الخداع والانحراف، فالنسبة لا تصنع حقًا كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وقال تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} ، فهؤلاء أبناء الأنبياء صاروا إلى ما ذكر الله تعالى، وإن هؤلاء الزاعمين النسب للسلف الصالح هم أسوأ خَلَف، وإن أكثر من يرفع هذا الشعار اليوم هم أهل جهلٍ وضلالٍ وانحراف، وما هي إلا شعاراتٌ لسرقة قلوب الناس بل وجيوبهم، وحالهم كحال مشايخ التصوف اليوم، فينتسبون للفقراء والزُّهَّاد وهم أهل جَشَعٍ وبهيميةٍ، وليسوا من الزهد والدين في شيء، وكذلك هؤلاء الزاعمون النسبة للسلف، يلوكون شعاراتهم وكلماتهم، وسيماهم سيما البهائم الواغلة في الباطل وحُبِّ الدنيا حتى صاروا أولياء الطاغوت في كل موطنٍ من حلقات الرِدّة، يدرؤون عنهم فعل الهداة المجاهدين، وقد بان شَرُّهُم على وجهه الصريح في مصر الكنانة، حيث داروا على وفق رسوم الجاهلية وأحزابها ورجالها، هذا إن كان أمرهم بأيديهم لا بيد دولة الخبث الراعية لعدوة أهل الباطل ممن ترفع شعار السلف والسلفية بخبثٍ ودهاء، وهي تجربةٌ وفترةٌ أثبتت أن هذا الشعار «السلفية» لا مدلول له في العمل السياسي، بل هو من