الجاهلية من أهل الإسلام يُسَمون حامليها أهل «التكلس الفِكري والسياسي» فهاهم الآن ماعوا ولم يَتَصَلَّبوا، وخاضوا غمار التآلف مع الباطل، والتحالف مع أحزاب الشرك والكفر والزنادقة؛ فماذا كان منهم؟
ولقد كانوا يزعمون من قبل أن المشكلة والإعاقة في الناس والشعوب، وأما هم؛ فهم أهل إراداتٍ عالية، فجاءت هذه الفترة لتكشف عكس ما ادّعوه وصحَّ منهم المَثَل: «اقلب تصب» ، فإن الناس والشعوب المسلمة لم ترضى هذا السبيل الأعوج، وأعطتهم القيادة من أجل حمل الحق بالقوة، وباسم الإسلام العظيم رضوا قيادة هذه الطوائف، لكنهم خانوا وجبنوا حتى يحفظوا مصالح أحزابهم ببقاء السلطة في أيديهم، وإن كل ما قاموا به هو لإطالة الأمد في دوام حكمهم، فعاجلهم الله بغير مقاصدهم بأن سَلَّطَ عليهم أحلافهم وشركاءهم، وهذا شأن من يُرضي الناس بسخط الله تعالى والمرء وإن كان حزينًا أن يصيروا إلى هذا المَهيَع والعاقبة، لكنها السُنن التي لا تحابي أحدًا، فإن الله تعالى جلَّ في علاه يُحبُّ التمايزَ وإقامة الحُجّة حتى بإزهاق النفوس والأرواح، فهؤلاء لم يُعَرِّفوا الناس دين الله في التشريع والسياسة ولا عرَّفوا الأُمَّة وجه الحق في قضايا الحياة التي ملكوها، بل كانوا يتخبطون في أفعالهم وقراراتهم، ولو نظروا إلى عين الله فقط وشغلوا أنفسهم برضاه حتى بسخط الزنادقة والعَلمانيين لكان لهم شأنٌ في هذه الفترة التي ملَّكهم الله بها شؤون الناس، وإن كاتب هذه الورقات ليعترف أن تقييمه في هؤلاء الناس كان مخطئًا، مع أن نماذجهم السابقة لا تدل إلا على ما وقع منهم من الإنحراف والجهل وترك الهدى كما وقع من حركة حماس في حُكمها لقطاع غزة مع أن أساس قيام هذا الجناح في فلسطين أساسٌ جهادي، لكن لما كانت جرثومة الإنحراف ساريةٌ في الأصل فإنها عقرتهم وأوردتهم شرعة الباطل، فإنهم حكموا القطاع بعطاءٍ إلهي دون منَّةٍ من أحد، ودون استحقاقاتٍ باطلة من العقود والمعاهدات لكنهم أَنِفوا واستَعلوّا عن الحق، فلم يُعلنوها على وجه الحق الذي يحبه الله تعالى من إقامة الشرع والدين، والله يقول لنا ولهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم} ، فكل دعوى الانتساب للحق لا قيمة لها في ميزان الحق وعين الله تعالى، والاعتبار الوحيد هو إقامة الدين وتحقيق الهُدى في الناس وأحوالهم، والمنصف يقارن بين أئمة الهدى من طالبان في أفغانستان الذين يستهزئُ بهم هؤلاء السياسيون، وبين هؤلاء الزاعمين بمُلكِ ناصية حكمة السياسة؛ فمن أهدى سبيلًا من استهزأ وتبرأ من إعلان إمارة إسلامية تقيم الشرع أم هؤلاء الذين مازالوا يصرخون ليل نهار أن من نهجهم وشرعتهم الدخول في منظمة ردّة اسمها منظمة التحرير ولا يمنعهم إلا رتوشٌ سياسيةٌ تحقق لهم المكاسب لحزبهم وأدوارهم فيه، وأساس الشر عند هؤلاء القوم هو عزل القرآن وهدايته عن اختياراتهم، ولو تحدث معهم متحدثٌ على هذا الوجه لاستهزؤوا به، لأنهم لا يعتقدون أن القرآن يضبط السلوك السياسي إلا بمجرد الشعار فقط دون الدخول في التفاصيل ولذلك فإن الذكرى الوحيدة الباقية من بطولاتهم في فترة حكمهم هو شجاعتهم وإقدامهم في قتل المصلين في مسجد ابن تيمية، وقد صدق القائل لهم:"لو كان هؤلاء في حسينيةٍ رافضية ما جرؤوا عليهم."خاصةً أن القوم يومها لهم مددٌ من دولة المجوس في إيران.