فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 2516

فلما كان الرسول البشري يقال: إنه مجنون أو مفتر، نزهه عن هذا وهذا، وكذلك في السورة الأخرى قال: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } [ الحاقة: 40 ـ 43 ] وهذا مما يبين أنه أضافه إليه؛ لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه، فإنه قال: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [ الشعراء: 192، 193 ] فجمع بين قوله: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } وبين قوله: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } والضميران عائدان إلى واحد، فلو كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين، بل كان يكون تنزيلا من الرسول .

ومن جعل الضمير في هذا عائدًا إلى غير ما يعود إليه الضمير الآخر، مع أنه ليس في الكلام ما يقتضى اختلاف الضميرين، ومن قال: إن هذا عبارة عن كلام الله ـ فقل له: هذا الذي تقرؤه أهو عبارة عن العبارة التي أحدثها الرسول الملك أو البشر على زعمك ؟ أم هو نفس تلك العبارة ؟ فإن جعلت هذا عبارة عن تلك العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول عبارة عن عبارة الله، وحينئذ فيبقى النزاع لفظيًا؛ فإنه متى قال: إن محمدًا سمعه من جبريل جميعه، وجبريل سمعه من الله جميعه، والمسلمون سمعوه من الرسول جميعه، فقد قال الحق . وبعد هذا فقوله: عبارة، لأجل التفريق بين التبليغ والمبلغ عنه، كما سنبينه .

وإن قلت: ليس هذا عبارة عن تلك العبارة، بل هو نفس تلك العبارة، فقد جعلت ما يسمع من المبلِّغ هو بعينه ما يسمع من المبلَّغ /عنه إذ جعلت هذه العبارة هي بعينها عبارة جبريل، فحينئذ هذا يبطل أصل قولك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت