وعلى هذا القول أكثر تفسير السلف، كما ذكره ابن إسحاق، وقد رواه ابن أبي حاتم وغيره . قال ابن إسحاق، حدثنى محمد بن أبي / محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ } ، أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك، { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك . فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا ؟
فقد تبين أنهم لا يسمعون الإنذار؛ لكفرهم بما عندهم وما جاءهم من الحق . ومعلوم أن منهم خلقًا تابوا بعد ذلك وآمنوا .
وروى عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: آيتان في قادة الأحزاب: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . قال: هم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } [ إبراهيم: 28 ] .
قلت: جعلهم قادة الأحزاب لكونهم أضلوا الأتباع فأحلوهم دار البوار . والأحزاب يوم الخندق قد أسلم عامة قادتها، وحسن إسلامهم، مثل عكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وأبي سفيان . وهؤلاء أسلم منهم من أسلم عام الفتح، وهم الطلقاء . ومنهم من أسلم قبل ذلك . والحزب الآخر غَطَفَان، وقد أسلموا أيضًا .
/ والآية لابد أن تتناول كفار أهل الكتاب،كما قال ابن إسحاق . فإن السورة مدنية،وإن تناولت مع ذلك المشركين . فهي تعم كل كافر . ومقاتل،والضحاك يخصاها ببعض مشركى العرب . وابن السائب يقول: هي إنما نزلت في اليهود،منهم حيى بن أخْطَب . وكذلك ما ذكره ابن إسحاق،عن ابن عباس، أنها في اليهود، وأبو العالية يقول: إنها نزلت في قادة الأحزاب .