الصفحة 20 من 23

وفي خاتمة هذه الدراسة، يمكن القول إن قدامة بن جعفر قد سعى إلى إقامة علم خاص بالشعر يميزه من غيره من العلوم، فالشعر - عنده - يباين العلوم الأخرى بمادته التي يتقوم بها، فهو قول، موزون، مقفى، دال على معنى، لكنّ هذه الأجزاء لا تملك في ذاتها خاصية الجودة، أو الرداءة، بلْ تتضح جودتها أو رداءتها من خلال علاقات بعضها ببعضها الآخر. ويصبح الشعر - في ظل هذا الفهم - صناعة من الصناعات قد تصل إلى غاية الجودة، أو تهبط إلى غاية الرداءة، بيد أن صناعة الشعر عند قدامة ترتد إلى ممارسة عقلية واضحة وهي صناعة معزولة تماما عن الارتباطات النفسية التي يثيرها الشعر، وخلط قدامة بذلك بين نظرته إلى الشعر ونظرته إلى الصناعات الأخرى، فالصناعات الأخرى تتعامل مع مادة صماء أمّا الشعر فمادته الكلمات، وهي تلتبس بالمشاعر والأحاسيس، وإذا كان قدامة قد سعى إلى تمييز نقد الشعر من غيره من العلوم فإنه قد ظل في إسار المنطق العقلي، وحاول أن يطبق مقولات المنطق على الشعر، ولئن كانت صناعة المنطق تسدد الفكر وتوجهه إلى الصواب فإنها يمكن أن تكون أداة للشعر، وبناءً عليه تصبح مادة الشعر ومعقولاته هي المعاني، والمعاني وليدة العقل، والمنطق هو الضابط لحركتها، وإذا كان المنطق يفترض التوافق المنطقي بين الأشياء، فإنه - أيضًا - يطلب مثل هذا التوافق بين المعاني، ويتجلى ذلك من خلال صحة التفسير، والتقسيم، والمقابلة.

لقد سعى قدامة - جاهدًا - إلى تمييز علم الشعر من غيره من العلوم، لكنه لم يفلح في تمييزه عن المنطق، وهكذا كان كتاب قدامة [ كالمعلم المتزمت، أو سرير بروكرست، مَنْ كان طويلًا فلا بًدّ أن يقص جزء منه كي يستطيع أن ينام فيه (49) .

الهوامش:

1-أنظر: ابن النديم ( 1964 ) : الفهرست، بيروت: 130 وقارن ياقوت الحموي: معجم الأدباء، طبعة دار المأمون بمصر، ج17: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت