فقوله [ غير مفسدها ] إتمام لجودة ما قاله ] (47) .
ولا يخفى أن هذا التتميم إكمال منطقي أكسب المعنى جودة فيما قاله قدامة، ولكنه إكمال أغفل - عبره - ما يرافق هذا المعنى من مشاعر، وأحاسيس عاطفية، فعبارة [ غير مفسدها ] توضح العلاقة النفسية بين الشاعر وهذه الديار، بلْ هناك دعاء أسطوري يتخلل هذه العبارة، ولكنّ قدامة - كغيره من النقاد العرب القدماء - يغفل تمامًا سيكولوجية الشاعر، ولا يسمح لنفسه الخوض فيها، لأنها تربط، على المستوى النقدي، بين خالق القصيدة، وخالق الكون، ومن هنا لم يتمكن عقل قدامة المنطقي أن يفهم موطن الجمال في قول الشاعر ذي الرمة:
ألا يا اسْلَِمَي يا دارَ ميًّ على الْبِلَى ... ولا زَالَ مُنْهَلاًّ بِجَرْعَاْئِكِ الْقطْرُ
ويعيب قدامة هذا البيت لأن الشاعر لم يكمل جودة المعنى فيه، فلم يأتِ بلفظة [ غير مفسدها ] ، وفي ذلك [إفساد للدار التي دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر] (48) ، والناظر إلى المعنى في هذا البيت من زاوية فنية، لا من زاوية منطقية - كما ذهب إلى ذلك قدامة - يرى أن هذا المعنى في البيت غاية في الجمال، وأن دعاء الشاعر على الدار بأن ينهل بجرعائها - القطر يحمل ظلالات نفسية، وأسطورية تباين التصور المنطقي الذي ذهب إليه قدامة.
الخاتمة: