وتتحقق صحة المعنى -أيضًا- على المستوى المنطقي - من خلال صحة المقابلات، وهي أن[ يضع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف، على الصحة، كقول بعضهم:
فَوا عَجَبًا كَيْفَ اتَّفَقْنَا فَنَاصِحٌ ... وَفِيٌّ، وَمَطْوِيٌ على الِغلَّ غَاْدِرُ (45)
ولا يخفى أن صحة المقابلات - على المستوى المنطقي الذي فكر فيه قدامة - تغفل - أيضًا - الجوانب النفسية المتناقضة التي تعيش في الذات الإنسانية، وقبول قدامة لها ليس اعترافًا ضمينًا بهذه المشاعر المتناقضة، ولكنه اعتراف منطقي بالتقابل، المتضاد في هذه الذات، ولا يختلف الأمر - أيضًا - في نظرة قدامة إلى صحة التفسير، وهي أن [ يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد ولا ينقص، مثل الفرزدق:
لقد خُنْتَ قَوْمًا لَوْ لَجَأْتَ إليهم ... طَرِيدَ دمٍ أو حامِلًا ثِقْلَ مَغْرَمِ
... فلما كان هذا البيت محتاجًا إلى تفسير قال:
لأَلَفْيتَ فيهم مُطْعِما ومُطاعِنا ... وَراءَك شَزْرًا باْلوَشِيج الِمُقْوَّمِ
ففسر قوله [ حاملًا ثقل مَغْرم ] بأن يلقي فيهم من يعطيه، وفسر قوله طريدًا ] بقوله [ إنه يلقي فيهم مَنْ يطاعن دونه ويحميه ] (46) ، صحيح أن هذا التفسير أضفى جمالًا على المعنى المتكامل في هذين البيتين، ولكنْ قصور محاولته يتمثل في النظرة المنطقية إلى هذا الأمر، فهناك تكامل في المشاعر النفسية للشاعر ولكنه تكامل لا تفرضه قيود المنطق والعقل، بل تفرضه وحدة المشاعر الذاتية لدى الشاعر.
أما صحة التتميم عند قدامة، فهي [ أن يذكر الشاعر المعنى، فلا يدع من الأحوال التي تتم به صحته، وتكمل معها جودته شيئًا إلاّ أتى به، مثل قول طرقة:
فَسَقَى دِيَاْرَكِ غَيْرََ مُفْسِدِها ... صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيْمَةٌ تَهْمِي