الصفحة 17 من 23

أمّا صحة التقسيم - على المستوى المنطقي - فهي أن يبتدىء الشاعر فيصنع أقسامًا[ فيستوى فيها، ولا يغادر قسمًا منها، كقول نُصيب:

فَقَالَ فَرِيقُ القَوْمِ: لا، وَفَرِيْقُهمْ ... نَعَمْ، وَفَرِيْقٌ قَالَ: وَيْحَكَ ما نَْدْرِي

أو كقول الشاعر:

أَمَّا إذا اسْتَقَبْلَتَهُ فَكأَّنه ... بَاْزٌ يُكَفْكِفُ أَنْ يَطِيْرَ وَقَدْ رَأَى

أَمَّا إذا اسْتَدْبَْرتَهُ فَتَسوقُهُ ... سَاقٌ قَمُوصُ الوَقْعِ عَارِيَةُ النَّسا

أَمَّا إذا اسْتَعْرَضْتَهُ مُتَمَطَّرًا ... فَتَقُولُ هَذا مِثْلُ سِرْحانِ اْلغَضَا

فلم يدع هذا الشاعر قسمًا من أقسام النصبة التي ترى في الفرس إذا رئي عليها إلا أتى به ] (43) .

وواضح أن هذه نظرة منطقية، عقلية، صارمة للمعنى الشعري، ولا ينكر أن صحة التقسيم قد تكون سببًا في جودة الشعر، ولكنها ليست - بالضرورة - خالقة لهذه الجودة، فقد يتوفر للبيت من الشعر صحة التقسيم ثم لا تميزه هذه الصفة عن مستوى الكلام العادي، وبذلك سعى قدامة إلى تحكيم المنطق في شيء غير منطقي، فالشعر لا ينضبط تمامًا بالقواعد المنطقية التي افترضها قدامة، لأن منبعه العواطف والأحاسيس.

ومن الواضح أن صحة التقسيم التي أوردها قدامة على هذا النحو المنطقي، تخلق ما يمكن أن يسمى النموذج في الوصف، فالشاعر لا يدعُ شيئًا فيما يصفه إلاّ ذكره، فهو يصف [ الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض ] (44) ويلتقي هذا النموذج مفهوم الماهية عند قدامة، والماهية تعني وصف الشيء على ما هو عليه، أو الوقوف عند الصفات الثابتة، والراسخة في الشيء، وعلى هذا الأساس أصاب الشاعر في وصف هذه الفرس، وأصاب ماهيتها، واستوفى جوانب وصفها، وخلق منها صورة نموذجية، متكاملة، على أن هذه الصورة لا تفارق الصواب المنطقي الذي يرتضيه العقل، وهو صواب يغفل - تماما - ما يمكن أن يثيره الوصف من تداعيات عاطفية، أو انفعالات نفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت