دليلًا على عموم المهابة، ورسوخها في قلب الشاهد والغائب ] (41) ، وليس هذا كذبًا عند قدامة، فهو ليس نقضًا للحقيقة، ولكنه ضرب من المبالغة في تأديتها. مثل هذا التصور للفضائل من شأنه أن يخلط بين المواد الأولية التي يقوم عليها الشعر وطرق صياغتها، لتصبح تلك الفضائل الصورة العارية في الشعر، وهي صورة تلتزم الموروث الفلسفي، أو الديني، فهذه الفضائل متعارف عليها دينيًا وفلسفيًا، والشاعر ليس خالقا لها، بل ينبغي عليه أن يلتزم هذا الإجماع ليخلق النموذج في الممدوح. وينحصر دور الشاعر - في ظلها - في تحسين تلك الصورة الموروثة، وتصبح وسائل الصياغة الشعرية مجرد زينة لتلك الفضائل، وتبقى المعاني ثابتة في حدود هذه الفضائل، لها كيانها الاجتماعي الموروث، بشقيه الفلسفي، والديني، ولا ينبغي للشاعر أن يتجاوز هذا الموروث، فما يقوله الشاعر حاشية على هذه المعاني ولا يخفى أن هذا التصور يلتقي مع ما قاله الجاحظ:"فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" (42) .
وإذا كان الشعر يعتمد على أساس أخلاقي كهذا الذي وصفه قدامة، فهل يجوز للشاعر أن يستخدم الرفث، والضعة في شعره ؟، ورأي قدامة أن المعاني الشعرية معروضة للشاعر، فهي مادة أولية، فليست القيمة فيها ذاتها، ولكن في صياغتها صياغة مؤثرة تسعى إلى غاية الجودة، فليستْ مادة الخشب لدى النجار ذات أهمية، ولكن الأهمية الكبرى لما يحدث فيها من صناعة.
التقسيمات المنطقية للمعنى:
لقد قدمنا القول - فيما سبق - أن قدامة كان يسعى إلى إقامة علم خاص بنقد الشعر؛ وهو علم يستند إلى مقولات فلسفية، ومنطقية، تسعى إلى بناء منطق خاص بالشعر، يميزه من غيره من الفنون الأخرى، واقتضى هذا المنطق صحة التقسيم، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، مثلما أنكر هذا المنطق فساد التقسيم، وفساد المقابلات، وفساد التفسير.