الصفحة 15 من 23

يَأْتَلِقُ التاجُ فَوْقَ مَفْرَقِهِ ... على جبينٍ كَأنّهُ الذَّهَبُ

ولكنه أثنى على شعره الذي قاله في مدح مصعب بن الزبير:

إنما مُصْعَبٌ شِهابٌ من اللهِ ... تَجَلَّتْ عن وَجْهِهِ الظَلْمَاءُ (36)

لأنه في البيت الأول مدحه بالجاه، والسلطان، والعظمة، وهي صفات عرضية زائلة، ولكنه في البيت الثاني مدح ابن الزبير بالتقوى، وهي فضيلة إسلامية جوهرية، وليست عرضية.

وليس من شك في أن الفضائل عند قدامة والفلاسفة الذين تأثر بهم تسعى إلى خلق الإنسان الكامل، مثلما تسعى إلى تحقيق السعادة، على أن الفضائل عند أرسطو وسط بين طرفين، يقول [ وأول ما ينبغي أن ينظر فيه أن الشيء الواحد بعينه من شأنه أن يصير إلى الزيادة والنقصان... فإن الرياضة المفرطة، والناقصة مفسدة القوة، وكذلك الأطعمة، والأشربة إذا كانت زائدة على ما ينبغي ] (37) فالسخاء - مثلًا - يحدث بتوسط في حفظ المال، وإنفاقه (38) ، والعفة تحدث بتوسط في مباشرة التماس اللذة التي هي عن طعم، ونكاح، والزيادة في هذه اللذة تكسب الشره وهو مذموم (39) ، ولكنْ كيف نفسر شعرًا وصف قومًا بالإفراط في هذه الفضائل؟، وجواب قدامة عن ذلك أنه يجوز للشاعر أن يبالغ في وصف هذه الفضائل في الممدوح؛ لأن ذلك من باب الغلو في الشعر، فلا يراد منه حقيقة الشيء، بلْ المبالغة والتمثيل له، يقول قدامة[ والغلو أجود المذهبين وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر

والشعراء ] (40) ، ولذلك فإن في قول أبي نواس:

وَأَخْفتَ أَهْلَ الشَّرْكِ حتى إنَّهُ ... لَتخافُكَ النُّطَفُ التي لَمْ تُخْلَقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت