29)، ولكنْ ما الأمور الجوهرية التي يقوم عليها موضوعا المدح والهجاء؟، هنا يلجأ قدامة إلى ثقافته الفلسفية فقد جعل أفلاطون الفضائل الكبرى أربعًا؛ هي: العقل، والشجاعة، والعفة، والعدل، ولا يختلف هذا الفهم عمّا قاله أرسطو بأن الفضائل الأربع هي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل (30) ، فالحكمة - عند أرسطو - تناظر العقل عند أفلاطون، وهذه الفضائل تركز على الخير، والقيم الأخلاقية، متمثلة [ بالسلوك الفاضل ] (31) ، ويطالب قدامة الشاعر بأن يركز على هذه الفضائل في موضوعي المدح والهجاء [ فمن أتى في مدحه بهذه الأربع كان مصيبًا، ومَنْ مدح بغيرها كان مخطئًا ] (32) ، وهذه الفضائل هي التي تميز الإنسان من سائر الحيوان [ فإنه لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك، إنما هي العقل والشجاعة والعدل والعفة، كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيبًا، والمادح بغيرها مخطئًا، ثم قد يجوز مع ذلك أن يقصد الشاعر للمدح منها بالبعض، والإغراق فيه دون البعض، مثل أن يصف الشاعر إنسانًا بالجود الذي هو أحد أقسام العدل وحده، فيغرق فيه، ويفتن في معانيه ] (33) ، فوجب أن يكون مدح الرجال بهذه لا بغيرها، والبالغ في التجويد إلى أقصى حدوده ] (34) .
ويكون قدامة - بهذا الفهم - قد تحدث عن النموذج في المدح والهجاء، وهو نموذج يركز على [ الصفات الجوهرية في الممدوح ] (35) ماثلة في الفضائل الفلسفية والنفسية التي أشار إليها قدامة، ولا يعد الإغراق في وصف هذه الفضائل كذبًا؛ لأن الشاعر يسعى إلى بلوغ الغاية في الوصف، وخلق النموذج في الممدوح.
وفي ضوء هذا الفهم تصبح هذه الصفات هي الفضائل الحقيقة التي ينبغي أن يمدح بها الشاعر الممدوح، أمّا الصفات الجسمانية فهي عرضية زائلة، ولهذا عاب عبد الملك بن مروان شعر ابن قيس الرقيات عندما مدحه بقوله: