والفارق - عند قدامة - بين المدح والهجاء، أن الأول إضفاء للصفات الإيجابية على الممدوح، وأمّا الثاني فسلب لهذه الصفات عنه، وينبغي أن يرتكز المدح والهجاء، على الجانب الجوهري في الإنسان، ولا يتوقف عند الأمور العرضية؛ لأن الشاعر يبحث عن الخصائص الجوهرية في الإنسان التي تخلق منه الأنموذج لأبناء جنسه، ولهذا أعجب الخليفة عمر بن الخطاب بمدح زهير [ لأنه لم يكن يمدح الرجل إلاّ بما يكون الرجال ] (28) ، فزهير ركز على الصفات الجوهرية في الممدوح التي تجعل منه نموذجًا لأبناء جنسه، وبهذا حقق الإصابة في هذا المدح، والإصابة تعني إصابة الماهية عند قدامة، أو الفلاسفة، والماهية هي الجوهر الذي يبحث عنه الشاعر والفيلسوف، وهي ماهية لا تنفصل عن أمور العقل، والمألوف المعروف، فماهية الممدوح واحدة، وإصابتها أن تضفي عليها جوانب إيجابية معروفة عند الجميع [ فإن هذا القول إذا فهم، وعمل به، منفعة عامة، وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا بما يكون لهم، وفيهم، فكذا يجب أن لا يمدح شيء عندهم إلا بما يكون لهم وفيهم] .(