الصفحة 18 من 26

فِيهَا مِنَ الأسحَارِ خُضْرُ قِطعٍ ... وَقِطَعٌ ذاتُ ابيضَاضٍ مِن ضُحَى

سَرَّ الغصُونَ رِيُّهَا حتَّى انثَنَتْ ... وَسرَّ مرآهَا الحَمَامَ فَشَدَا

ويصف حازم الأمكنة التي هجرها أصحابها، ورحلوا عنها بقوله [1] :

تَزدَحِمُ الوحُوشُ فِيهِ سُخرةً ... وتلتقي فيه إذا صَرَّ الدَّبى

وَرَدَتهُ وَالبُومُ يَستَدعِي بِهِ ... في آخرِ الليلِ، مُنَاغَاةَ الصَّدَى

تَأوي إلى القَلبِ بِهَا وَحشَتُهُ ... إذا ابنُ آوى، آخرَ اللَّيلِ عَوَى

الصورة موحشة للمكان الذي هُجر من أصحابه، فلم تر أمامك إلا وحوشًا وبومًا، تردد الأصوات صداها، والمكان مليء بالوحشة، فإذا ابن آوى عوى فإنه يدخل في النفس وحشةً مضنية. وقد رمز حازم بهذه الحيوانات غير المحببة إلى الإنسان ليبيّن مدى الوحشة التي وصل بها هذا المكان، وكثّف من الألفاظ الدالة على ذلك في استخدامه"وحوش"و"وحشته"و"ابن آوى"و"عوى"كلها ساعدت على توضيح هذه الصورة الموحشة.

وحازم عندما يستقي من الطبيعة صوره لا يقف عند الطبيعة الأندلسية وحدها، حيث نشأ وتربى في بيئة تكثر فيها الرياض، والأنهار، والسحب في السماء، وصفاء في الجو، واعتدال، وكان يتمتع بكل ما فيها والتي عُدت مصدره الأول في شعره وهي الأندلس، بل ينتقل إلى بيئة جديدة.

أمّا الطبيعة الأخرى فهي تونس التي هاجر إليها وظل بها حتى مات، فكان من الطبيعي أن تختلف الصورة في مصدرها حسب اختلاف البيئة، فالبيئة التونسية تكثر فيها الصحارى، وتقل فيها الرياض، وتختلف مظاهر الطبيعة فيها عن مظاهر الطبيعة الأندلسية.

ولذلك اهتم حازم بالطبيعة التونسية بمظاهرها الحضارية وما فيها من قصور، وموارد للمياه جددها الحفصيون.

ويعجب بالمظاهر الحضارية في تونس فقال مفتخرًا بما رآه [2] :

إنْ ذُكِرتْ مُدنُ الدُّنى فهي التي ... يُختَتمُ الفخرُ بِهَا ويُبتَدَا

حُسْنُ البِلادِ كُلِّها مُجتَمِعٌ ... لَهَا وَكُلُّ الصَّيدِ في جوفِ الفَرا

(2) 24) المصدر السابق، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت