الصفحة 14 من 26

يتضح لنا من كلام حازم أنه لم يغفل أثر البيئة في الأدب. والأديب بذلك لا يوجد في فراغ، ولا يعيش خارج نطاق الزمان والمكان، وإنما هو ابن بيئته وابن مجتمعه، يتفاعل معهما وفيهما، ويتحول بهما إلى قدرة خلاقة مبتكرة، وهو في مناهجه يتوسّع في معنى البيئة بحيث يشمل البيئة المادية أي"المؤثرات الطبيعية"والبيئة المعنوية أي"المناخ الفكري والحالة النفسية" [1] .

وينطبق على حازم بأنه شاعر ابن بيئته، لأن البيئة الطبيعية كانت مهيأة له من كل شيء، فالبقعة معتدلة الهواء، جميلة المناظر ممتعة، وكان من الأشياء التي أنعم الله بها على البلاد الأندلسية كثرة ما بها من سحب، فهو يغدو فيها ويروح أكثر أيام العام. فاتجه حازم إلى هذا السحاب، وما فيه من ماء نازل، وبرق لامع، معينًا يعتمد عليه، ويقترض منه بعض الصور الفنية، ويطنب في تتبعه للسحاب والغيث، فهو لا يدع شيئًا نتج عنه إلاّ ورسمه"فنراه يذكر أحوال السحاب والجهة التي قدم منها، والأمكنة التي مرَّ عليها، ومقادير المياه التي درها" [2] . وجاء كل ذلك بشيء من التفصيل نعجز عن ذكره في هذه الصفحات، ولكننا سنشير إلى صورة من صور السحاب وذلك في قوله [3] :

وَوَالتِ السُّحبُ بِعينِ تَوبةٍ ... بمثلِ عيْنيْ تَوبةٍ طُولَ البُكَا

واستَقبلَ القُبلَةَ مِنهُ عَارِضٌ ... مُعتَرضٌ في جَوِّهِ وَاهِي الكُلَى

فَبَلَدَ الرِّيحَانِ وَالرَّوحِ الذي ... رَاحَ عَليهِ الحُسْنُ وقفًا وَغَدَا

إلى الرَّصيفِ المُعتنَى برَصفِهِ ... فَالهَيكلِ الأعلَى القَدِيمِ المُبتَنَى

وَلا نبَا عن المَسيلِ مُسْبِلٌ ... كَأنَّ خَفقَ بَرقِهِ عِرقٌ نَبَا

وَجَادَ رأسَ العَينِ وَالمَرْجَ حَبًا ... يَحبُو البِلادَ ريَّهَا إذا حَبَا

(1) 12) النقد الأدبي في المغرب العربي: د.عبده عبد العزيز قليقلة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 1998 م، ص263.

(13) الصورة الفنية من الشعر العربي - مثال ونقد ص 47.

(14 ) قصائد ومقطعات، ص 38، 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت