وفيما يتعلق بعنصر الصوت فقد جاء في"فبكيا، دائرة، فرادى، ومثنى، خرَّ"وما دامت الصورة قائمة على الإدراك الحسي لها فمن الطبيعي أن نلقى للحواس فيها دورًا، فمن خلال حاسة البصر نجد الألفاظ الدالة على اللون، كضوء الشمس الذي يشبه الذهب، والبدر الذي يشبه الفضة، ولحاسة الشم نجد الأزهار الفواحة الكثيرة التي تطفو على سطح الماء.
واستعان حازم إلى جانب هذه العناصر بالألوان البيانية وذلك باستخدامه للتشبيه"تراءى الجرفان مثلما دنا خليل من خليل"."يسجُد فيه البدرُ لله كما خرَّ الكليم".
وبذلك تكون صورته المستمدة من الطبيعة صورة امتزجت بالطبيعة امتزاجًا خُيل لنا أنها حقيقة واقعة أمام العين.
ولو انتقلنا إلى الطبيعة العلوية وجدنا أن حازمًا استقى منها صورًا لا عدَّ لها، فاهتم بوصف النجوم، والبدر، ورسم صورًا خيالية أضفى عليها صفات البشر لهذه النجوم من خلال رسم لوحات تقوم على التشخيص، وبرز في صوره اهتمامه برحلة السحاب والأمكنة التي مرَّ عليها، وبطبيعة الجوِّ، سواء أكان ذلك في الأندلس أم في تونس.
ولعلَّ الطبيعة المهيأة للشاعر هي التي تساعده على إتقان هذه الصور، كما ذكر حازم في منهاجه، عندما يقول [1] :"والشعر لا يتأتى نظمه على أكمل ما يمكن فيه إلا بحصول أشياء وهي: المهيئات، والأدوات، والبواعث، وكانت هذه المهيئات تحصل من جهتين:"
أولًا: النشء في بقعة معتدلة الهواء حسنة الوضع، طيبة المطاعم، أنيقة المناظر، ممتعة من كل ما للأغراض الإنسانية به علقة. ثانيًا: الترعرع بين فصحاء الألسن المستعملين للأناشيد المقيمين للأوزان"."
(1) 11) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: أبو الحسن حازم القرطاجني، تح: د.محمد الحبيب ابن الخواجة، دار الكتب الشرقية تونس، 1966م، ص40.