ويصبح التنغيم ـ وهو قرينة صوتية كاشفًا عن البنية العميقة، ومعرفتها تساعد على تحديد المدلول المراد بالجملة، لأنّ البنية العميقة للجملة تساعد على تفسيرها التفسير الصحيح في كثير من الأحيان، والتنغيم كما رأينا لا ينشئ علاقات نحوية ليست موجودة، ولكنّه يختار بعض العلاقات النّحوية القابعة تحت السّطح المنطوق ويظهر تأثيرها في التفسير، وذلك كقول جميل بن معمر العذري:
لا. لا أبوح بحبِّ بثنةَ إنّها ... أخذت عليّ مواثقًا وعهودًا. [1]
فلو اصطنع النحّاة لأنفسهم علامات الترقيم لوجد القارئ نقطة للوقف بعد (لا) الأولى، ولأدركوا، أنّ (لا) هذه بنفسها تكون جملة مفيدة يستحسن في تنغيمها أن نقف عليها لتمام الفائدة، ولما توّرطوا في اعتبارها حرف نفي مؤكّدًا توكيدًا لفظيًا بحرف على مثل صورته قال له، ومن الواضح أن هناك فرقًا بين أن تكون [2] . (لا) الأولى حرف نفي مؤكدًا، أو جملة كاملة الإفادة يستحسن السكوت عليها، ويتطلب التنغيم في حالة التوكيد وصل الكلام، وفي حالة الجملة المفيدة وقفة واستئنافًا. ومن هنا يكون التعبير بالتنغيم لونًا آخر تقتضيه القرينة الحالية: ومن هذا المنطلق عدّ جملة من اللغويين (لعلّ) في قوله تعالى: { وما يُدريك لعلّه يزكّى } سورة عبس (3) .
(1) جميل بثينة، الديوان، جمع وتحقيق وشرح د. حسين نصار، ط2، دار مصر للطباعة، 1967، ص 79.
(2) حسان د. تمّام، اللغة العربية معناها ومبناها الشركة الجديدة دار الثقافة، الدار البيضاء، 1985 م، ص 228.