الصفحة 15 من 47

ويمكن أن تكون جملة أفرح أن أرزأ الكرام.. استفهامية، وليس فيها أداة استفهام، وإنّما طريقة نطقها بصورة تناسب الأنماط التنغيّمة للجمل الاستفهامية يدلّ على أنّها استفهاميّة ـ أي أأفرح أن أرزأ الكرم ... ؟

ومن هذا القبيل ـ أيضًا ـ قول الكميت الأزدي:

ما ترى الدّهر قد أباد معدًا ... وأباد القرون من عهد عاد [1] .

فهذا البيت يقرأ بنغمة صوتية مستوية، ممّا عبّر فيه عن الاستفهام بالتنغيم، والتقدير: أما ترى... ؟ تعويلًا على أن معنى التركيب يوحي بذلك، ممّا حذف منه حرف الاستفهام مستعاضًا عنه بالتنغيم الخاصّ بهذا المعنى.

وكقول رسول اللهّ صلى الله عليه وعلى أصحابه أجمعين: (( يا أبا ذرّ عيّرته بأمّه.... ) )أراد أعيّرته... ؟ [2] .

ومن ذلك ما رواه ابن عبّاس من أن رجلًا قال: (إن أمّي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه) ، أي: أفأقضيه؟ [3] .

ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين: (( أتاني آتٍ من ربّي، فأخبرني أنّه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة، قلت: وإن سرق، وإن زنى ... ؟ قال: وإن سرق وإن زنى ) ).

وفي أحيان كثيرة تكون قرينة التنغيم أعظم أثرًا من القرينة اللفظية، أي الأداة، إذ يبدو الحديث الشريف بهذا القدر ـ للوهلة الأولى ـ خبريًا تقريريًا يوهم أنّه لا يكون إلاّ خبرًا مثبتًا، ولكنّه قد يكون بالتنغيم إنشاء استفهاميًا....

وروي أنّ الحسن أو الحسين (عليهما السلام) أخذ تمرة الصدقة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخرجها من فيه، قال: (ما علمت ...) ، أي أما علمتَ .... ؟

(1) ابن مالك، شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، تحقيق د. طه محسن، ط 2، 1413هـ، ص 147.

(2) ابن مالك، شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، د. طه محسن، ط2، 1413 هـ، ص148

(3) المصدر نفسه، ص 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت