فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 33

ويقول رجل من بني عذرة، من أهل الشام، بعد أن يتحدث عن حرب شرسة دارت بين الطرفين (46) :

ثمَّ انصرفنا كأشلاءٍ مقطّعَةٍ وكلنا عندَ قتلاهم يُصَلونا

هل نصنف هذه الأقوال - وغيرها كثير - تحت عنوان ( شعر الإنصاف ) ، كما جرت العادة ؟ ألم يكن في أذهان الشعراء عندما قالوا هذه الأبيات، وأمثالها، سوى التعبير عن إنصاف أعدائهم ؟! ألا يرشح هذا الشعر بالمرارة مما يجري ؟ أرجح أن تكون فكرة أخرى غير الإنصاف هي التي دفعت إليه، فكرة تقول إن أحدا لن يخرج منتصرا، وإن الحرب يجب أن تنتهي. ويلفت الشاعر إلى حالة التناقض عندما يشير إلى أن الجميع يصلون على قتلاهم، وكأني به يقول: إذا كنا جميعا نصلي على قتلانا فعلى أي شيء نقتتل حتى ننصرف كأشلاء مقطعة ؟!

هذا القلق مما يجري يمكن أن نجد له ملامح مختلفة في شعر هذه الموقعة التي بدأت تلوح، أمام كثرة قتلاها،وبين صفوف الجيش الشامي في بداية الأمر (فكرة أن هذه المعركة هي نهاية العرب والإمبراطورية،إذ في الواقع كانت الأمة بأسرها تتقاتل هنا وتتمزق دون أي أفق انتصار لمعسكر على آخر) (47) . ولنقرأ ما قاله كعب بن جعيل (48) :

أصبحتِ الأمة في أمر ٍعَجَبْ والملكُ مجموع غدا لِمَنْ غلبْ

فقلتُ قولا صادقًا غيرَ كذبْ إنَّ غدا يهلك أعلامُ العربْ

أكان كعب يستشرف ما وراء الموقعة ؟ ( الملك مجموع غدا لمن غلب ) ! هذا قانون القوة الذي لايقيم اعتبارا لدين أو لأخلاق، والناس في ظلاله يتفاضلون بما يملكون من قوة بمعناها الأصم، وهو لذلك يختلف ،إلى درجة التناقض، مع قانون الشريعة الذي يتفاضل الناس فيه بما يتمتعون به من تقوى، بما تتضمنه التقوى، حكما، من خلق كريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت