الصفحة 4 من 32

تنقّل أبو تمام"حبيب بن أوس الطائي" [1] ـ بعد أن غادر قرية"جاسم" [2] ـ بين المدن، يتغير مع تغير الزمن، ويسمو مع سمو العمل، يتصل بالصانع الماهر فيبرع في الحياكة والنسيج، ويتقن فن الزخرفة، ثم يتصل بالعالم والفقيه، يسمعُ ويروي [3] . .. ويتقن لعبة الكلم، فيعود من مصر إلى بغداد وهو على غير حالٍ، يحمل في جعبته بضاعة لا تكسد وتجارة لا تبور، يعرضها على ذوي الشأن متحملًا مشاقّ السفر وأعباء

الترحال ـ في زياراته الدائمة للثغور والأمصار [4] ـ فيحظى بمودة الخليفة ويفوز بمجلسه.

لعلَّ أبرز الإيقاعات وأهمها في شعر أبي تمام تلك التي تتصل بحياته، وتشكّل فيها أهم المنعطفات، ولا سيّما إيقاع المهن التي امتهنها مذ كان صبيًّا، وتأتي في مقدمتها مهنة الحياكة، فقد"كان أبوه عطارًا بدمشق فلم يلبث أن أخرج ابنه من الكتاب، ليودعه عند حائك بدمشق يخدمه ويعمل عنده" [5] ثم استفاقت مواهبه الأدبية"فانتقل من حياكة الثياب إلى حياكة الشعر ونسجه" [6] ، حيث لا تكاد تخلو قصيدة في ديوانه من مفرداتٍ تتعلق بالثوب المحاك وما يمكن أن يوصف به، كأن نجد"الثوب، الرداء، البرد، القميص، ناعمًا، رقيقًا، فضفاضًا، أبيض، أخضر، أحمر،. ...."وربّما لم يتوقف تأثّره بالمهنة عند هذه الحدود، فإيقاعها يظهر في شعره من خلال اهتمامه بالتنميق والتزيين و من خلال براعته في النسج و الصياغة، يشير إلى ذلك د. شوقي ضيف في أثناء حديثه عن صنعة أبي تمام قائلًا:"نحس كأنّ الشعر أصبحَ تنميقًا و زخرفًا خالصًا، فكلّ بيتٍ في القصيدة إنّما هو وحدة من وحدات"

(1) ـ المصدر نفسه، ص 59.

(2) ـ المصدر نفسه، ص 59، و جاسم قرية من قرى حوران.

(3) ـ البهبيتي، نجيب محمد، أبو تمام حياته وحياة شعره، ص 73.

(4) ـ المصدر نفسه، ص 108.

(5) ـ البهبيتي، أبو تمام حياته وحياة شعره ـ ص 62.

(6) ـ ضيف، د. شوقي، الفن ومذاهبه ـ ص 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت