الصفحة 428 من 430

محكم لم يكن بليغًا، وكذلك لو كان اللفظ محكمًا جيدًا والمعنى غير طائل، لا يعد في البلاغة.

والبلاغة على ثلاث مراتب: عليا ووسطى ودنيا، والكلام إذا اجتمع فيه الفصاحة والجزالة والنظم كان كامل البلاغة، وأعلاها بلاغة القرآن لاجتماع هذه الثلاثة فيه.

فالفصاحة: دلالة اللفظ على المعنى مع الإفصاح والإيضاح. والجزالة: دلالة اللفظ على المعنى مع قلة حروف الكلم وتناسب مخارجها والاختصار. والنظم: ترتيب الألفاظ وارتباط بعضها ببعض مع تناسب الكلمات وتوازن الحركات والسكتات، والدلالة على المعنى المراد، وهذا كله في القرآن مع أسلوبه العجيب الذي لم يعهد نظيره ونظمه الغريب الذي لم يسمع لكلام غيره تحريره ولا تحبيره، ولهذا عجز البلغاء كافة والفصحاء عامة عن الإتيان بسورة من مثله، وانقطعوا عن المعارضة بحديث من شكله، مع تحديهم وتوفر دواعيهم إلى المعارضة، ولم يقع ذلك منهم، ولا جاء شيء مثله عنهم.

قال الله عز وجل: {وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتقوا النار} الآية.

وفي هذه الآية معجزةٌ من وجه آخر، وهي الإخبار عن نفي فعلهم الإتيان بسورة من مثله، فكان كما أخبر سبحانه، وقد قال عز وجل: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا} . فوقع التحدي من الله عز وجل على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سورٍ {قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ} أو بسورة واحدة. وهو أدنى التحدي عند الجمهور.

وقيل: وقع التحدي بآية واحدة لقوله تعالى: {فليأتوا بحديثٍ مثله} فلم يأتوا بشيء من ذلك، تعجيزًا من الله تعالى لهم عن ذلك، كما عجز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت