فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 8511

هذا هو وصف النموذج الاختزالي في عصر العقلانية المادية الشمولية. وقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الرؤية الاستنارية وضد هذا النسق المغلق الواحدي الصلب وظهر الفكر المعادي للاستنارة الذي يصل إلى قمته عند نيتشه. ولكن الثورة تمت في نفس الإطار المعرفي (الكلي والنهائي) المادي. ولذا رُفض الإطار التفسيري الاختزالي الشامل وحل محله إطار يرفض فكرة التفسير نفسها ولكنه لا يقل عنه اختزالية، فبدلًا من فكرة الكل المادي ظهرت فكرة الغياب المادي للكل، وبدلًا من المطلقات الشاملة ظهرت النسبيات المطلقة، وبدلًا من التحدُّد الكامل ظهر اللاتحدُّد الكامل، وبدلًا من السببية الصلبة ظهرت اللاسببية والصدفة، وبدلًا من التماسك المُصمَت ظهرت الذرية والتشتت، وبدلًا من اليقين الكامل ظهر الشك الكامل، وبدلًا من التركيز على العام وإنكار الخاص تم التركيز على الخاص وإنكار العام، وبدلًا من التجانس المتطرف ظهر اللاتجانس المفرط، وبدلًا من البساطة السطحية ظهر التأيقن المنغلق على ذاته، وبدلًا من الرغبة في التحكم الإمبريالي ظهرت السيولة الكاملة، أي بدلًا من العقلانية المادية (والاستنارة المنيرة) ظهرت اللاعقلانية المادية (والاستنارة المظلمة) . وظهور التفكيكية (التقويضية) هو تعبير عن هذا الوضع، فكل شيء نسبي لا يمكن الوصول إليه، فهو غير محدَّد ومُرجأ. فكأن اللوجوس، بدل أن يتجسَّد في كل شيء (على طريقة الحلولية الكمونية الواحدية) ، انسحب منه تمامًا وغاب واختفى (مات الإله، على حد قول نيتشه) . ولكن ما يجمع الاثنين هو الصورة المجازية الأساسية للتجسد: فإما حلولية عضوية كاملة نتيجة التجسد الكامل أو تشظ آلي كامل نتيجة لغياب التجسد. ولذا، فإذا كانت العقلانية المادية أنتجت نماذج واحدية مادية، فإن اللاعقلانية المادية تعادي فكرة النماذج، أو تكتفي بإنتاج نماذج لاعقلانية مادية، نماذج مايكرو صغيرة لا تتعدى فعاليتها نطاق ظاهرة أو اثنين. وهكذا يتم

التأرجح بين الواحدية التفسيرية والواحدية اللاتفسيرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت