الذي طابت له من الزهراء مجانيها، ولم يزل البلغاء يصفون المباني، بأحسن الألفاظ والمعاني، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك، زيادة في توسيع المسالك، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي (1) يصف دارًا (2) بناها المعتمد على الله (3) :
ويا حبّذا دار قضى الله أنّها ... يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى (4)
مقدّسة لو أن موسى كليمه ... مشى قدمًا في أرضها خلع النّعلا
وما هي إلا خطّة الملك الذي ... يخطّ إليه كلّ ذي أملٍ رجلا
إذا فتحت أبوابه خلت أنّها ... تقول بترحيبٍ لداخلها أهلا
وقد نقلت صنّاعها من صفاته ... إليها أفانينًا فأحسنت النّقلا
فمن صدره رحبًا ومن نوره سنًا ... ومن صيته فرعًا ومن حلمه أصلا
فأعلت به في رتبة الملك ناديًا ... وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى
نسيت به إيوان كسرى لأنّني ... أراه له مولىً من الحسن لا مثلا
كأنّ سليمان بن داود لم تبح ... مخافته للجنّ في صنعه مهلا
ترى الشمس فيه ليقةً تستمدّها ... أكفٌّ أقامت من تصاويرها شكلا
لها حركاتٌ أودعت في سكونها ... فما تبعت في نقلهن يدّ رجلا
ولمّا عشينا من توقّد نورها ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا وقال من أخرى يصف دارا بناها المنصور بن أعلى الناس ببجاية (5) :
(1) أبو بكر عبد الجبار بن محمد بن حمديس الصقلي، هاجر من بلده إلى الأندلس وأصبح من مداح المعتمد بن عباد، إلى أن عزل عن ملكه (484) فغادر الأندلس إلى المغرب وظل متنقلًا يمدح ملوكها إلى أن توفي سنة 527 (انظر مقدمة ديوانه، ط. صادر - بيروت 1960) .
(2) ك: في دار؛ ق: يمدح دارًا.
(3) المقتطفات (الورقة: 29) وديوان ابن حمديس: 278.
(4) رواية الديوان:
ويا حبذا دار يد الله مسحت ... عليها بتجديد البقاء فما تبلى (5) المقتطفات (الورقة: 30) وديوان ابن حمديس: 545 نقلًا عن النفح ونهاية الأرب ومطالع البدور.