السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: 31] .
وهذه مسألة عظيمة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار شاهِدون بهذا كله، ومقرُّون به، ومع هذا لم يُدْخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرِّم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضًا يتصدَّقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرَّمات خوفًا من الله - عزَّ وجلَّ.
ولكن الأمر الثاني هو الذي كفَّرهم، وأحَلَّ دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية، وهو أنه لا يُدعى ولا يُرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يُستغاث بغيره، ولا يُذبح لغيره، ولا يُنذر لغيره؛ لا لِمَلَك مقرَّب، ولا نبي مرسَل، فمن استغاث بغيره فقد كَفَر، ومن ذبح لغيره فقد كَفَر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك.
وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يدْعُون الصالحين؛ مثل: الملائكة، وعيسى، وعزير، وغيرهم من الأولياء، فكفَروا بهذا، مع إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر.
إذا عرفتَ هذا عرفت معنى لا إله إلا الله، وعرفت أنَّ مَن دعا نبيًّا أو ملكًا، أو ندبه، أو استغاث به، فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكنْ هؤلاء الصالحون يمكن أن يكونوا مقرَّبين، ونحن ندْعوهم، ونَنذِر لهم، ونَدخل عليهم، ونستغيث بهم، ونُريد بذلك الوَجاهةَ والشفاعة، وإلا نحن نفهم أن الله هو الخالق المدبر.
فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدْعون عيسى وعُزيرًا والملائكة والأولياء؛ يريدون ذلك، كما قال - تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وقال - تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] .
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب - غفر الله له - في كتابه"كشف الشبهات": فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة.
فقل له: أنت تُقِرُّ أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله، وهو حقُّه عليك؟
فإذا قال: نعم.
فقل له: بيِّن لي هذا الذي فَرض عليك، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقُّه عليك،