هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه .. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه .. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر؛ وقبل الشعائر والشرائع .. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم. [1]
ويقول سيّد قطب أيضًا تعليقا على سورة العصر:
إنه الإيمان. والعمل الصالح. والتواصي بالحق. والتواصي بالصبر ... فما الإيمان؟!
نحن لا نُعرّف الإيمان هنا تعريفه الفقهي؛ ولكننا نتحدث عن طبيعته وقيمته في الحياة.
إنه اتصال هذا الكائن الإنساني الفاني الصغير المحدود، بالأصل المطلق الأزلي الباقي الذي صدر عنه الوجود. ومن ثَم اتصالُه بالكون الصادر عن ذات المصدر، وبالنواميس التي تحكم هذا الكون، وبالقوى والطاقات المذخورة فيه. والانطلاق حينئذ من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير. ومن حدود قوته الهزيلة، إلى عظمة الطاقات الكونية المجهولة. ومن حدود عمره القصير، إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله.
وفضلًا عما يمنحه هذا الاتصال، للكائن الإنساني، من قوة وامتداد وانطلاق، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعًا بالوجود وما فيه من جمال، ومن مخلوقات تتعاطف أرواحها مع روحه. فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان .. وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأُنْسٌ بالحياة والكون كأُنس الحبيب بالحبيب. وهو كسب لا يعدله كسب. وفقدانه خسران لا يعدله خسران ..
ثم إن مقومات الإيمان هي بذاتها مقومات الإنسانية الرفيعة الكريمة .. انتهى.
وفي نهاية هذه الفقرة، أزُفّ إليك أخي الكريم هذه البِشارة النبويّة:
في مسند الإمام أحمد رحمه الله، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي". قَالَ: فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ؟! قَالَ:"أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي". صححه الألباني رحمه الله. [2]
(1) ج: 3، ص: 228.
(2) السلسلة الصحيحة مختصرة، ج: 7، ص: 89.