شعار الأدعياء
س3 / ما هو شعار هؤلاء الأدعياء؟
ج / شعارهم ادعاء (( السلفية ) )أو قولهم:"نحن سلفيون"أو"أنا سلفي"أو يذيلون أسماءهم
بلقب (السلفي) في أختام مثل (فلان بن فلان السلفي) ، أو الأثري وهكذا، ادعاء مظهري خاوي
من المضمون الجوهري.
سئل صاحب الفضيلة العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان (حفظه الله) هذا السؤال /
بعض الناس يختم اسمه (بالسلفي) أو (الأثري) فهل هذا من تزكية النفس أو هو موافق للشرع؟
الجواب:
"المطلوب أن الإنسان يتبع الحق، المطلوب أن الإنسان يبحث عن الحق ويطلب الحق ويعمل به،"
أما أنه يتسمى بأنه (سلفي) أو (أثري) أو ما أشبه ذلك فلا داعي لهذا، الله يعلم سبحانه وتعالى
{قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم}
فالتسمي (سلفي، أثري) أو ما أشبه ذلك، هذا لا أصل له، نحن ننظر إلى الحقيقة ولا
ننظر إلى القول والتسمي والدعاوى، قد يقول أنه سلفي وما هو بسلفي، أو أثري وما
هو بأثري، وقد يكون سلفيًا أو أثريًا وهو ما قال إنه أثري أو سلفي.
فالنظر إلى الحقائق لا إلى المسميات ولا إلى الدعاوى، وعلى المسلم أن يلزم الأدب مع
الله سبحانه وتعالى، لما قالت الأعراب: {آمنا} أنكر الله عليهم قالت الأعراب آمنا قل لم
تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولكن قولوا أسلمنا، الله أنكر عليهم أن يسمون
ويصفون أنفسهم بالإيمان وهم ما بعد وصلوا لهذه المرتبة، أعراب جاءوا من البادية ويدعون أنهم
صاروا مؤمنين على طول، لا. أسلموا دخلوا في الإسلام، وإذا استمروا وتعلموا دخل الإيمان في
قلوبهم شيئًا فشيئًا {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وكلمة (لما) للشيء الذي يتوقع، يعني
سيدخل الإيمان، لكن أنك تدعيه من أول مرة هذه تزكية للنفس.
فلا حاجة أنك تقول:"أنا سلفي، أنا أثري"أنا كذا، أنا كذا، عليك أن تطلب الحق وتعمل به
وتصلح النية، والله الذي يعلم - سبحانه - الحقائق" (1) . انتهى كلامه (حفظه الله) ."
وكم لهذا الشعار من أثار على من يحمله، فهو يولد عند حديثي الأسنان من السفهاء استعلاء التدين
على إخوانهم، والزهو والغرور بالانتساب إلى السلفية، وأنه أصبح اسمه (فلان السلفي) ، وبهذا
الشعار يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا بأنهم قد نجوا من الفرق الهالكة، وأصبحوا في عداد الفرقة
الناجية أو الطائفة المنصورة، فيُصبّرون من تبعهم بها على ضلالهم.
فيا لله من هذا العُجب الذي أتى بالعجب.
(1) المرجع السابق.
وانظر إلى هؤلاء الأدعياء كيف تجرؤا على أن ينجوا أنفسهم بأنفسهم، ويهلكوا إخوانهم بزعمهم؟!
والله سبحانه وتعالى يقول:
{إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} ، النحل 125.
ثم اعلم أنه لا يلجأ إلى تزكية النفس إلا ضعيف النفس، مقبل على شهواتها، مغفل عن دسائسها
وأما عالي الهمة فيعلم أنها من الله منة ونعمة، فيسترها بالتواضع، لأن كل ذي نعمة محسود.
فإلى هؤلاء الأدعياء أقول:
كفوا عن هذه الدعاوى فإنها تحزب وهراء، وكفوا عن رمي إخوانكم بالحزبية فإنه كذب وافتراء.
هذا هو الحق وإلا {فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} (2) .
(1) أعني بتزكية النفس هو مدحها ورفعها فوق منزلتها، وأما تزكيتها بالطاعة وتطهيرها من المعصية، فهذا مطلب شرعي لقوله تعالى {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} الشمس (9، 10) .
(2) يونس، الآية: (32) .
الوظيفة الإبليسية
س4 / ما هو العمل الرئيس الذي يجمعهم وتعرفهم به؟
ج / عملهم الرئيس هو (تصنيف الناس) على حسب الهوى والوسواس، وهو شغلهم الشاغل في
مجالسهم ومنتدياتهم، وعملهم الدؤوب الذي لا يحسنون غيره بإتقان ومهارة.
فلو سألتني ماذا تقصد بالتصنيف؟
فسأجيبك بما قاله العلامة / بكر أبو زيد (رحمه الله) :
"ولا يلتبس هذا الأصل الإسلامي بما تراه مع بلج الصبح، وفي غسق الليل من ظهور ضمير أسود"
وافد من كل فج استعبد نفوسًا بضراوة أراه: (تصنيف الناس) وظاهرة عجيب نفوذها هي(رمز
الجراحين)أو (مرض التشكيك وعدم الثقة) حمله فئام غلاظ من الناس يعبدون الله على حرف،
فألقوا جلباب الحياء، وشغلوا به أغرارًا التبس عليهم الأمر فضلوا وأضلوا.
فلبس الجميع أثواب الجرح والتعديل، وتدثروا بشهوة التجريح ونسج الأحاديث، والتعلق بخيوط
الأوهام، فبهذه الوسائل ركبوا ثبج التصنيف للآخرين للتشهير والتنفير، والصد عن سواء السبيل.
ومن هذا المنطلق الواهي غمسوا ألسنتهم في ركام من الأوهام والآثام، ثم بسطوها بإصدار التهم
والأحكام عليهم، والتشكيك فيهم وخدشهم، وإلصاق التهم بهم، وطمس محاسنهم، والتشهير بهم،
وتوزيعهم أشتاتًا وعزين في عقائدهم وسلوكهم، ودواخل أعمالهم وخلجات قلوبهم، وتفسير
مقاصدهم، ونياتهم، كل ذلك وأضعاف ذلك ما هنالك من الويلات، يجري على طرفي التصنيف
الديني واللاديني" (1) ."
(1) تصنيف الناس بين الظن واليقين، د. بكر أبو زيد، ص (9) .
وقال (رحمه الله) عن هذه الوظيفة:"فيا لله كم لهذه الوظيفة الإبليسية من آثار موجعة للجراح نفسه"
إذ سلك غير سبيل المؤمنين، فهو لقى منبوذ آثم، جان على نفسه، وخلقه، ودينه، وأمته، من كل
أبواب سوء القول قد أخذ بنصيب، فهو يقاسم القاذف، ويقاسم البهات، والقتات والنمام والمغتاب
ويتصدر الوضاعين، في أعز شيء يملكه المسلم (عقيدته وعرضه) (1) .
قال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثمًا مبينًا}
فمثل هذا النقد الجارح الآثم والخارج عن منهج الوسطية في النقد والحكم على الآخرين ليس من
أخلاق السلف الصالح في نصح إخوانهم من أهل السنة.
قال الإمام الشعبي - رحمه الله:"لو أصبت تسعةً وتسعين، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة"
وتركوا التسعة والتسعين"."
ومثل هذه الصورة تبين لنا تمامًا حال العلماء والدعاة - قديمًا وحديثًا - فهم يصيبون ويخطئون بحكم
أنهم بشر ليسوا معصومين من الخطأ، فيأتي بعض الجهلة ممن يريد أن ينتقدهم، فيأخذ الواحدة
فيطير بها فرحًا، وما ذاك إلا أنه ناتج عن الحسد والحقد الذي ترسب وتغلغل في أعماق النفس
الضعيفة، ودلالة أيضًا على فساد القصد وسوء الظن بالآخرين.
(1) المرجع السابق، ص (23) .
وسائل التصنيف
س5 / ما الوسائل التي يستخدمها الأدعياء لتصنيف الناس؟
ج / وسائلهم وطرقهم في التصنيف كثيرة وملتوية، ولا تنس أنهم يتقنونها بكل مهارة من أجل أن
يلبسوا عليك الحقيقة مستغلين في نفس الوقت عاطفتك وغيرتك على الحق، حتى ترى الحق ضلالًا، والضلال حقًا
ولا حول ولا قوة إلا بالله
فإليك بعضًا من طرقهم، مثل:
"تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح"
الوجه، والتغير والتضجر، أو يُسأل عنه، فيشير إلى فمه، أو لسانه معبرًا عن أنه كذاب أو بذي.
إلى غير ذلك من أساليب التوهين بالإشارة أو التحريك.
ألآ شُلت تلك اليمين عند حركة التوهين ظلمًا
وصُدعت تلك الجبين عند حركة التوهين ظلمًا
ويا ليت بنسعة من جلد تربط بها تلك الشفة عند تعويجها للتوهين ظلمًا" (1) "
فلنقل - أنا وأنت والمسلمون - آمين ... آمين ... آمين.
لسانك لا تذكر به عورة امرئ ... فكلك عورات وللناس ألسن
ولله در أبي العباس النميري، شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إذ وضع النصال على
النصال في كشف مكنونات تصرفات الجراحين فقال:
(1) المرجع السابق، ص، (11) .
"ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول ليس لي عادة أن"
أذكر أحدًا إلا بخير، ولا أحب الغيبة، ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله. ويقول: والله إنه مسكين
، أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله، وإنما قصده
استنقاصه وهضمًا لجنابه ... ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه
ومحاكاته، واستصغار المستهزأ به، ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول: مسكين فلان، غمني ما
جرى له، وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر
لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به.
وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه" (1) ."
يقول العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان (حفظه الله) :
"إن الذين يسخرون من العلماء يريدون أن يُفقدوا الأمة علماءها حتى ولو كانوا موجودين على"
الأرض، ما دام أنها قد نزعت منهم الثقة فقد فقدوا ... ولا حول ولا قوة إلا بالله" (2) ."
(1) المرجع السابق، ص (12) ، مجموع الفتاوى، ابن تيمية (28/ 237) بتصرف.
(2) وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء، ص (50) .
المبدأ الخبيث
س / ما هو المبدأ الذي يسير عليه هؤلاء الأدعياء؟
ج / المبدأ - يا أخي - خبيث ونتن وهو (إذا لم تكن معي فأنت ضدي) ، إذا لم تقل مثلهم"أنا سلفي"
"ولم تعاد من عادوه، وتضلل من ضللوه، وتبدع من بدعوه، وتهجر من هجروه، وتحذر كما"
يحذرون، وتقصي من أقصوه، وتدني من أدنوه، فأنت ضدهم وخارج عن المنهج السلفي كما
يزعمون.
يقول العلامة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله:
"فمن الناس من يتحزب إلى طائفة معينة، يقرر منهجها، ويستدل عليه بالأدلة التي قد تكون دليلًا"
عليه، وقد تكون دليلًا له، ويحامي دونها ويضلل من سواها، وإن كانوا أقرب إلى الحق منها يضلل
، ويأخذ بمبدأ (من ليس معي فهو عليّ) وهذا مبدأ خبيث" (1) انتهى كلامه."
فهؤلاء لا يرضون عن أحد من الناس حتى يوافقهم على هواهم ويتبع مسلكهم هذا، وإن بدا منهم
رضا عنك، فهو رضا مظهري سرعان ما ينكشف عن الحقيقة الكامنة بمجرد مناقشتهم بالدليل
والإنكار عليهم وترك مداهنتهم.
ولعل هذا المبدأ الذي أخذوا به ناتج عن أسباب من أهمها:
1.تحاملهم الشديد على العلماء والدعاة المصلحين في تضليلهم والتحذير منهم، وإسقاطهم
من أعين الناس.
2.وقوعهم في الحزبية التي نادوا بها تحت ستار (السلفية) .
(1) شرح رسالة (حلية طالب العلم) ، ابن عثيمين، ص (380 - 381) .
3 -ردة الفعل عندهم بسب الآراء المخالفة لأهوائهم ولما يدعون إليه.
4 -شعورهم بالنبذ وعدم القبول لما يطرحونه من آراء شاذة لدى عامة الناس فضلًا عن
المتعلمين منهم.
أثاره / وبسبب تمسكهم بهذا المبدأ الخبيث وتشددهم فيه جرهم إلى مخالفة منهج السلف في
النقد والحكم على الآخرين، ومناقضة صريحة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في
أصول الحكم على المبتدعة - فكيف والمخالفين لهم هم أهل السنة؟!!! - والتي قررها في فتاويه
وردوده ولك أن تقدر وجه المخالفة بعد كل أصل من واقع مقالاتهم وردودهم على إخوانهم من الدعاة
والعلماء الذين تسلطوا عليهم بغير حق إلا اتباع الهوى وما تشتهيه الأنفس المريضة وهي /
الأصل الأول /
الاعتذار لأهل الصلاح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد، وحمل كلامهم المشكل
على أحسن محمل.
الأصل الثاني /
عدم تأثيم مجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية، وأولى من ذلك عدم تكفيره أو تفسيقه.
الأصل الثالث /
عذر المبتدع المجتهد، لا يقضي إقراره على ما أظهره من بدعة، ولا إباحة اتباعه، بل يجب
الإنكار عليه فيما يسوغ إنكاره، مع مراعاة الأدب في ذلك.
الأصل الرابع /
عدم الحكم على من وقع في بدعة، أنه من أهل الأهواء والبدع، ولا معاداته بسببها، إلا إذا
كانت البدعة مشتهرة ومغلظة عند أهل العلم بالسنة.
الأصل الخامس /
لا يحكم بالهلاك جزمًا على أحد خالف في الاعتقاد أو غيره، ولا على طائفة معينة بأنها من الفرق
الضالة الاثنتين والسبعين إلا إذا كانت المخالفة غليظة.
الأصل السادس /
التحري في حال الشخص المعين المرتكب لموجب الكفر أو الفسق، قبل تكفيره أو تفسيقه، بحيث لا
يكفر أحد ولا يفسق إلا بعد إقامة الحجة عليه.
الأصل السابع /
الحرص على تأليف القلوب واجتماع الكلمة، وإصلاح ذات البين، والحذر من أن يكون الخلاف في
المسائل الفرعية العقدية والعلمية، سببًا في نقض عرى الأخوة، والولاء والبراء بين المسلمين.
الأصل الثامن /
الإنصاف في ذكر ما للمبتدعة من محامد ومذام، وقبول ما عندهم من حق، ورد ما عندهم من باطل
، وأن ذلك سبيل الأمة الوسط. (1)
هذا هو منهج السلف الصالح وإلا ... فأي سلف لهم؟!!!
(1) انظر مستزيدًا مستفيدًا: (أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية) ، د. أحمد الحليبي، دار الفضيلة.
البضاعة المزجاة
س7/ ماذا قدم هؤلاء الأدعياء للإسلام والمسلمين؟
ج / إن المتأمل في حالهم - ونعوذ بالله من حالهم - أن بضاعتهم مزجاة، ومن أجوافهم مرماة في
فتنة عمياء إلى سوق سوداء من الجهلة والسفهاء، معروضة بأبخس ثمن، وأنجس لحن، رأس مالها
تصيد الأخطاء بحجة النقد البناء، والربح من ورائها التحذير والتنفير من العلماء والدعاة إلى الله
للصد عن سبيل الله باسم الدفاع عن العقيدة ونصرة الحق، فلبسوا على الخلق حقيقة الحق.
ولم يقدموا من المؤلفات سوى الردود الرديئة، ببشاعة الألفاظ مليئة، فلا عدل لديهم ولا إنصاف سوى
النصل بأقبح الأوصاف.
"فيا أخي إحذر (الفتانين) دعاة الفتنة الذين يتصيدون العثرات وسيماهم /"
جعل الدعاة تحت مطارق النقد، وقوارع التصنيف، موظفين لذلك:
الحرص على تصيد الأخطاء، وحمل المحتملات على المؤاخذات، والفرح بالزلات والعثرات،
ليمسكوا بها بالحسد، والثلب واتخاذها دينًا.
وهذا من أعظم التجني على أعراض المسلمين عامة وعلى الدعاة منهم خاصة.
وسيماهم أيضًا: توظيف النصوص في غير مجالها، وإخراجها في غير براقعها، لتكثير الجمع،
والبحث عن الأنصار، وتغرير الناس بذلك.
فإذا رأيت هذا القطيع فكبر عليهم، وولهم ظهرك، وإن استطعت صد هجومهم وصيالهم
فهو من دفع الصائل.
واعلم أن (تصنيف العالم الداعية) وهو من أهل السنة، ورميه بالنقائص، ناقض من نواقض
الدعوة، وإسهام في تقويض الدعوة، ونكث الثقة، وصرف الناس عن الخير، وبقدر هذا الصد ينفتح
السبيل للزائغين" (1) "
ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون ولا يضللون، ولا يبدعون بعضهم بعضًا إلا بدليل
وبرهان، وإقامة حجة، لا بالهوى والتعصب، وإنما يخطئون من وقع في الخطأ مجتهدًا مع التماس
العذر له، والعفو عن زلته، والدعاء له بالمغفرة، والترحم على من مات منهم.
وهؤلاء الأدعياء الذين اشتغلوا بضلالة التصنيف وقعوا في مخالفة السلف، وابتعدوا عن المنهج
القويم، فضلوا وأضلوا في هذا عن الحق والصواب، فكان هم أحدهم وجل بضاعته التحذير والتنفير
من العلماء الربانيين، والدعاة المخلصين، بحجة الدفاع عن الحق والعقيدة، وما علموا أنه ضياع
للحق وخداع للخلق، وإشاعة للفاحشة بين المؤمنين، وأذية لهم، وهم بهذا قطاع طرق الإفادة من
العلماء والدعاة، وهم غزاة الأعراض بالأمراض.
(1) تصنيف الناس بين الظن واليقين، للعلامة د. بكر أبو زيد، ص: (78 - 79) .
آثار فتنة التصنيف
س8 / ما البلاء الذي جرته فتنة الأدعياء على الإسلام والمسلمين؟
ج / وهذا بلاء عريض، وفتنة مضلة في تقليص ظل الدين، وتشتيت جماعته، وزرع البغضاء
بينهم، وإسقاط حملته من أعين الرعية، وما هنالك من العناد وجحد الحق تارة ورده تارة أخرى.
وصدق الأئمة الهداة:
إن رمي العلماء بالنقائص، وتصنيفهم البائس من البينات فتح باب زندقة مكشوفة.
ويا لله كم صدت هذه الفتنة العمياء عن الوقوف في وجه المد الإلحادي، والمد الطرقي، والعبث
الأخلاقي، وإعطاء الفرصة لهم في استباحة أخلاقيات العباد، وتأجيج سبل الفساد الإفساد.
إلى آخر ما تجره هذه المكيدة المهينة من جنايات على الدين، وعلى علمائه، وعلى الأمة وعلى ولاة
أمرها.
وبالجملة فهي فتنة مضلة والقائم بها مفتون، ومنشق عن جماعة المسلمين. (1)
ألآ إن هذا التصنيف داء خبيث، متى ما تمكن من نفس أطفأ ما بها من نور الإيمان، وصير القلب
خرابًا، يستقبل الأهواء والشهوات ويفرزها، نعوذ بالله من الخذلان، ومن مصائد الشيطان.
(1) المرجع السابق، ص (29) .
وبهؤلاء (المنشقين) وصل العدو من طريقهم، وجندوهم للتفريق من حيث يعلمون أو لا يعلمون،
وانفض بعضهم عن العلماء والالتفاف حولهم، ووهنوا حالهم، وزهدوا الناس في علمهم.
وبهؤلاء (المنشقين) آل أمر طلائع الأمة وشبابها إلى أوزاع وأشتات، وفرق وأحزاب، وركض
وراء السراب، وضياع في المنهج والقدوة، وما نجا من غمرتها إلا من صحبه التوفيق، وعمر
الإيمان قلبه. (1)
فإلى هؤلاء الأدعياء أقول:
متى صار من دين الله التحذير والتنفير، والتقاطع والتهاجر، والغيبة والبهتان للمسلمين فيما بينهم؟!
أو تصنيفهم إلى فرق وأحزاب؟!
ومتى صار من دين الله فرح المسلم بمقارفة أخيه للذنب والخطيئة؟!
(1) المرجع السابق، ص (40) .
الدعوة إلى الحزبية
س9 / علام تتركز دعوة الأدعياء؟
ج / إن أبرز دعوة تظهر من أفواههم واضحة جلية هي الدعوة إلى الحزبية والطائفية، وذلك بخلق
حزب معين منشق عن الجماعة، ينادي بآراء نشاز، وهذا وواضح وجلي - كما ذكرت لك سابقًا -
من خلال رفع شعار (أنا سلفي) أو (نحن سلفيون، أو أثريون) .
يقول الشيخ د. بكر أبو زيد، رحمه الله في رسالة (حلية طالب العلم) :
"أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام والسلام، فيا طالب العلم - بارك الله فيك وفي علمك -"
اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف، ولا تكن خراجًا ولاّجًا في
الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجًا، والمسلمون
جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.
فعلق على هذا الكلام النفيس، العلامة / ابن عثيمين - رحمه الله - بقوله:
"وهذا الفصل فصل مهم، وهو تخلي طالب العلم عن الطائفية والحزبية، بحيث يعقد الولاء"
والبراء على طائفة معينة، أو حزب معين، فإن هذا لا شك آثم، فإن هذا لا شك خلاف منهج السلف.
السلف الصالح ليس عندهم أحزاب، كلهم حزب واحد، كلهم ينطوون تحت قول الله تعالى:
{هو سماكم المسلمين من قبل ... } (1) ، فلا حزبية ولا تعدد، ولا موالاة، ولا معاداة إلا على حسب ما جاء
في الكتاب والسنة، بل يجب أن نكون أمة واحدة، وإن اختلفنا في الرأي، أما أن نكون أحزابًا، هذا إخواني،
يعني من الإخوان المسلمين، وهذا تبليغي، وهذا سلفي، وهذا ماذا؟!
على كل حال لا يجوز هذا إطلاقًا، فالواجب أن هذه الأسماء تزول، ونكون أمة واحدة وحزبًا واحدًا
على أعدائنا" (1) ."
ويقول الشيخ د. صالح الفوزان - حفظه الله:
"الحاصل من هذا كله أن المسلمين يجب أن يكونوا جماعة واحدة، وأن يكون مصدرهم واحدًا،"
وأن تكون قيادتهم واحدة، كما أنهم يجتمعون على عقيدة واحدة، وهي عبادة الله - عز وجل - وحده
لا شريك له، هذه هي جماعة المسلمين.
وإذا دبّ فيهم خلل، أو دبّ فيهم تباغض وهجر، أو وجد فيهم منافقون فإن الأمر خطير جدًا، لا
سيما وأننا نسمع في زماننا هذا من يتكلم في أعراض العلماء ويتهمهم بالغباوة والجهل، وعدم إدراك
الأمور، وعدم فقه الواقع كما يقولون، وهذا أمر خطير.
فإنه إذا فقدت الثقة في علماء المسلمين فمن يقود الأمة الإسلامية؟
ومن يُرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟
وأعتقد أن هذا دس من أعدائنا، وأنه انطلى على كثير من الذين لا يدركون الأمور، أو الذين فيهم
غيرة شديدة وحماس، لكنه على جهل، فأخذوه مأخذ الغيرة، ومأخذ الحرص على المسلمين، لكن
الأمر لا يكون هكذا ..." (2) ."
شرح رسالة حلية طالب العلم، للعلامة / ابن عثيمين، ص (382) .
وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء، ص (46) .