الصفحة 14 من 105

ولأصحاب أحمد ونحوهم من أهل الحديث والفقه والتصوف في هذه المسألة ثلاثة أقوال: منهم من يثبت المماسة كما جاءت بها الآثار. ثم من هؤلاء من يقول: إنما أثبت إدراك اللمس من غير مماسة للمخلوق بل أثبت الإدراكات الخمسة له, وهذا قول أكثر الأشعرية والقاضي أبي يعلى وغيره. فلهم في هذه المسألة قولان كما تقدم بيانه , وعلى هذا فلا يرد السؤال.

ومنهم من أصحاب أحمد وغيره: من ينفي المماسة.

ومنهم من يقول لا أثبتها ولا أنفيها؛ فلا أقول هو مماس مباين ولا غير مماس ولا مباين، وهذه المباينة التي تقابل المماسة أحق من المباينة التي تقابل المحايثة. فإن هذه العامة متفق عليها عند أهل الإثبات, وهي تكون للجسم مع الجسم, وللجسم مع العرض, وأما التي تقابل المماسة؛ فإنها لا تكون له مع العرض والعرض يحايث الجسم فلا يباينه المباينة العامة.

وأما الخاصة فلا يقال فيها مباينة ومماسة فامتناع خلوه عن المباينة العامة والمحايثة أولى. فإن المباينة الخاصة والمماسة نوعان للمباينة العامة ؛ فإذا امتنع رفع النوع فامتناع رفع الجنس أولى.

وليس هذا موضع الكلام في هذه الأقوال, ولكن نذكر جوابًا عامًا فنقول: كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر, وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرًا أنه خارج العالم؛ فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماسًا أو مباينًا أو لا يلزم؛ فإن لزم أحدها كان ذلك لازمًا للحق، ولازم الحق حق، وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك؛ فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بعد هذه الأشياء عنه, وكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة عليه، وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره, وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام. وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسًا أو مباينًا؛ فقد اندفع السؤال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت