وهي شديدة التخلخل وخلقت كذلك لأمرين: أحدهما: لتتمكن أجزاؤها من سهولة استعمال الغذاء مع شدة حاجتها إلى الخفة لئلا تثقل مقدم الدماغ .
وثانيهما: ليتمكن ما يحتاج أن ينفذ فيها من النسيم وفضول الدماغ المدفوعة من جهة الأنف من سهولة النفوذ وليمكن أن ينفذ فيها من الهواء قدر صالح ليفي بترويح الدماغ وليكون ما يتصعد معه من الأجزاء الحاملة للرائحة قدر يجوز معه إدراكها وحاجة إدراك الرائحة إلى تخلخل هذه العظام أكثر من حاجة ترويح الدماغ .
لأن هذا الترويح قد يتم إذا كانت المنافذ في هذه العظام ضيقة بأن يكون نفوذ الهواء فيها قليلًا قليلًا في زمان طويل بحيث يقل زمان الفترة بين كل تنفسين ولا كذلك إدراك الرائحة فإن الحاسة إنما تدرك المحسوس إذا ورد منه في وقت واحد قدر يعتد به .
وأما إذا ورد بالتدريج فإن الوارد في كل وقت يكون قليلًا جدًا فكان لا تقوى الحاسة على إدراكه فلذلك لم يتعرض الشيخ ها هنا لأمر الترويح واقتصر على ذكر الرائحة .
والله أعلم بغيبه .
البحث الثالث المفاصل وتقسيم العظام بحسبها
قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه والعظام كلها متجاورة متلاقية وليس بين شيء من العظام وبين العظم الذي يليه مسافة كبيرة بل في بعضها مسافة يسيرة تملؤها لواحق غضروفية أو شبيهة بالغضروفية خلقت للمنفعة التي للغضاريف . إلى آخر الفصل .
الشرح السبب في احتياج البدن إلى المفاصل أنه لو خلق البدن خاليًا عن العظام البتة لكان شديد الضعف واهي القوة كالدود فلا بد وأن يكون مشتملًا على عظم ولا بد وأن يكون البدن كله من عظم واحد وإلا كان ما فيه ذلك العظم لا يمكن انثناؤه وانعطافه وما هو بغير عظم ضعيف البنية واهي الحركة فلا بد و أن يكون مشتملًا على عظام كثيرة .