ولقد رسخ الرسول- صلى الله عليه وسلم - قيم العدالة والمساواة في نفوس وزرائه وأتباعه ، فكان يقول ـ محذرًا من استعباد الناس ـ:"لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عباد الله وكل نسائكم إماء الله . ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي . ولا يقل العبد: ربي ولكن ليقل: سيدي" (10) ..
ويقول:"كلكم بنو آدم و آدم خلق من تراب لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" (11) .
لقد حدث أن عبدالله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها مناصفة حسب عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولأنتم والله أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم !!
فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (12) ..!
لقد كان رضي الله عنه قد تخرج في مدرسة الرسول - صلى الله عليه وسلم -على المنهج الرباني المنفرد القائم على العدل والمساواة .
هذا، وتعد خطبة الوداع دستورًا عظيما في إقامة العدالة والمساواة في ربوع العالم .. ويعلق هربرت جورج ولز (13) على هذه الخطبة بقوله:
"حجّ محمد [- صلى الله عليه وسلم -] حجة الوداع من المدينة إلى مكة، قبل وفاته بعام، وعند ذاك ألقى على شعبه موعظة عظيمة.. إنّ أول فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلًا للخليفة.. إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها" (14) .