وفي معاملات النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - مع الآخرين لم يكن يضع نفسه على مستوى أرفع من غيره البتة . كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس . وذات يوم، وكان قد احتل في «المدينة» مقامًا أشبه بمقام الملك، وفد عليه يهودي يقتضيه دينًا ما ، وخاطبه في جلافة وخشنونه قائلًا: إن بني هاشم لا يردون أيما مال اقترضوه من شخص آخر . فثارت ثائرة عمر بن الخطاب لوقاحة اليهودي ، ولكن الرسول عنفه ذاهبًا إلى أن الواجب كان يقتضي عمر أن ينصح كلًا من المدين والدائن: أن ينصح المدين - الرسول - برد الدين مع الشكر ، وأن ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق . ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة ، فتأثر هذا الأخير تأثرًا عظيمًا بروح العدل والإنصاف عند الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، ودخل في الإسلام .
وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام ، حان وقت إعداد الطعام ، فمهد إلى كل امرئ في القيام بجانب من العمل، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوقود . لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي . وكان يراعي ، في معاملته خدمه ، مبدأ المساواة نفسه، وقال أنس:"خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ، ولا لشيء تركته لم تركته (4) ."
« ولم يبق أيما عبد على عبوديته . فما إن يؤل إليه عبد رقيق حتى يسارع إلى إعتاقه. وطوال حياته كلها لم يضرب قط خادمًا أو امرأة » " (5) ."
هذا، و يقول المستشرق والمؤرخ بودلي:"و ليس هناك أي عائق لوني للمسلم فلا يهم أكان المؤمن أبيض أو أسود أو أصفر، فالجميع يعاملون على قدم المساواة" (6) .