والآن بعد أن استعرضنا واقع الإعلام الصهيوني استعراضًا مبتسرًا، يوجز وحشيته وشراسته، باعتباره موجهًا ضدنا ـ نحن العرب ـ بالدرجة الأولى، ويهدف إلى التعامل معنا، كما تعامل الكاوبوي الأمريكي مع الهندي الأحمر، لا بد من الانتقال إلى واقع الإعلام العربي الذي يفترض فيه أن يكون إعلامًا مواجهًا لذلك الإعلام الصهيوني وندًا له، ولو في أدنى درجات الندية.
إن ما يدعو إلى القهر والكمد والحزن هو أن الواقع الذي يتلبسنا شيء، والافتراض الذي نتمناه ونحلم به شيء آخر، وكلاهما على طرفي نقيض إذا ما أمعنا جيدًا في صورة الحقيقة والواقع.
الإعلام العربي عبر قرن كامل عاش حالة من التدهور البياني. بمعنى أنه كان إعلامًا مبشرًا في بدايته، فأصبح فيما بعد في نهاية القرن العشرين، وكأنه إعلام ميئوس منه، ولا حول ولا قوة له أمام إعلام الآخر.
في بداية القرن العشرين وما بعد كانت الصحافة بالنسبة للمجتمع العربي، كذلك الشاعر الذي يولد في قبيلة العصر الجاهلي. لقد أدركت الطبقة العربية المتنورة آنذاك أهمية هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة وفاعليتها، في الوقت الذي كان العرب فيه يتطلعون إلى بناء دولتهم المستقلة، فأحسن استخدام هذه الوسيلة لصالح القضية العربية وكانت منبرًا حرًا في أيدي تلك الطبقة المتنورة، وانتشرت بشكل واسع في دمشق وبيروت والقاهرة، على الرغم من سطوة السلطة العثمانية وبطشها، وتوقيف هذه الصحيفة أو تلك وملاحقة أصحابها أو زجهم في السجون.