وإلى جانب هذا، ومن خلال المعاناة نفسها برزت على الساحة الغربية ظاهرة (اللاإنتماء) التي حدثنا عنها الباحث البريطاني كولن ولسون في كتابيه المعروفين (اللامنتمي) و (سقوط الحضارة) فأطال الحديث. إن كبار المفكرين والفنانين والأدباء والفلاسفة هناك لم يقدروا على التحقق الذاتي في إطار ثقافتهم تلك، بل لم يجدوا أوليات التوازن، واليقين في خضمّ هذه الثقافة المتلاطم، الكالح، العميق. وكانت مأساتهم تكمن في أنهم كانوا يعون هذا الانفصال المحزن بين الإنسان فردًا ومجتمعًا وبين ثقافته وإن اندفعت قيادات هذه الثقافة وقواعدها نحو نوع من الاندماج أو النسيان - ربما - بسبب من تضاؤل وعيها بانعدام التوازن أو التلاؤم بين الإنسان الغربي وبين ثقافته، نجد بالمقابل ذلك التّيار المضاد: حشدٌ من المثقفين الكبار يتمردون على ثقافة بلغت بهم شوطًا من الطريق، وهم يريدون أن يواصلوا الرحلة صوب المصير فلا تقدر معطياتهم الثقافية على منحهم المزيد. لقد"امتلكوا العالم"كما يقول كولن ولسون ثم"ماذا بعد؟".
إن الإنسان بطبيعة تركيبه ذي النزوع إلى الماورائيات يريد أن يتجاوز العالم إلى الكون، جدران المادية إلى الغيب، الطبيعة إلى ما وراءها، والسلطة إلى الحرية، إنه يريد أن يكسر الأسوار، وينطلق بحثًا عن الإله المفقود. بعبارة أخرى إنهم يريدون العقيدة التي تلبّي نزوعهم الطموح، وإن المرء ليلمس بوضوح هذا التوجه صوب العقيدة الشمولية المتوازنة في معظم المؤلفات الغربية التي أشرنا إلى نماذج منها، والتي حاول أصحابها أن يعالجوا أزمة الوجود الثقافي الغربي على ضوء المصير المقفل والدرب المسدود.