فالدّين بما هو هدي إلهي، يتصف بالمثالية والكمال، فهو تعاليم يتمثّل فيها الحقّ المطلق بناء على الكمال الإلهي في العلم الشّامل بأحوال الوجود، والمحيط بمصلحة الإنسان في مختلف منقلبات حياته. كما أنّ الدين - والحديث عن الدين الإسلامي - حقيقةٌ مصوغة لهدي لإنسان مطلقًا عن مقيّدات وجوده الزمانية والمكانية، فهي في أوامرها ونواهيها تخاطب بالتكليف الناس كلهم على اختلاف أوضاعهم الذّاتية من التفرّد والاجتماع، والقوة والضعف، والبداوة والتحضّر، وعلى اختلاف مواقفهم في المكان والزمان. إنها حقيقة تكليفية عامة للناس، ليس فيها تخصيص عيني ولا ظرفي إلا مستثنيات نادرة منصوص على التخصيص فيها. (1)
وكما أنّ تعاليم الدّين عامة للناس فهي كلية في ذاتها، تنزع منزع التقعيد العام في الهدي، ولا تقصد إلى ضبط الإرشاد في جزئيات الأفعال الإنسانية في أنواعها التفصيلية، بلْه في أحادها العينية باستثناء بعض النوادر التي اتُّخِذ منها في الغالب مقصدٌ كلّي عامّ، وقد كان ذلك ملحظا مهمًّا للإمام الشاطبي إذ يقول:"تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلّي لا جزئي، وحيث جاء جزئيًا فمأخذه على الكلية إمّا بالاعتبار أو بمعنى الأصل إلا ما خصّه الدليل مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم". (2 )