تمهيد
جاءت الرّسل وحيًا من الله تعالى بجملة من التعاليم التي تهدي حياة الإنسان في تصوّره للوجود، وفي تصريف سلوكه الفردي والجماعي، فبيّنت له حقيقة ما هو كائن في عالم الغيب، وبيّنت ما ينبغي أن يكون من سيرةٍ له في عالم الشّهادة. وذلك هو الدين الذي جاءت به الرسالات تترى، حتّى انتهت بالرسالة الخاتمة، رسالة الإسلام التي ختمت الرسالات، ومثلت الصورة النهائية الكاملة لها، حتى كان الدين هو الإسلام، كما جاء في القرآن الكريم على صيغة الحصر: (( إنّ الدّين عند الله الإسلام ) ) [آل عمران:89 ] .
وقد خوطِب الإنسان بالدّين لينفعل به في حياته انفعالًا إراديًّا، فيصدّق بما جاء به من بيان في شرح حقيقة الوجود، ومن ذلك يكون معتقده، ويُجرى سلوكه على حسب ما جاءت به تعاليمه العملية، ومن ذلك يكون شرعُه في واقع حياته. وهذا الانفعال بالدّين تصديقًا عقليًّا وسلوكًا عمليًّا هو التدين، على معنى أنه تحمّل الدين واتخاذه شِرعة ومنهاجًا. فالدين إذن هو التعاليم الإلهية التي خوطب بها الإنسان على وجه التكليف، والتدين هو الكسب الإنساني في الاستجابة لتلك التعاليم،وتكييف الحياة بحسبها في التصوّر والسّلوك.
وبحسب هذا التعريف فإن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين؛ إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شَرْع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم، فهو كسب إنساني. وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكلّ منهما.