الصفحة 17 من 233

والحال أنّ العمل على تطبيق الأحكام الإسلامية في الواقع يحتاج إلى منهج آخر مختلف، يكون مبنيًّا على فقه تطبيقي، ليست غايته بسط حقائق الدين للإقناع، وإنّما غايته تسهيل الطريق لتلك الحقائق لكي تصبح جارية في حياة النّاس. ويبدأ هذا الفقه من مرحلة الفهم، حيث ينبني بمقتضاه فهم الدين عقيدة وشريعة على أنه حقائق، ليست غايتها في ذاتها، وإنما غايتها في صيرورتها واقعًا سلوكياًّ، ثم يتمّ بذلك الفقه صياغة الأحكام الإسلامية صياغة تناسب معطيات الواقع المشخّص، الذي يعيشه المسلمون في ظرفهم الزّماني والمكاني، ثم يتمّ به بعد ذلك الإنجاز الفعلي لتلك الصّياغة في شعاب الحياة المختلفة.

إنّ افتقار الصّحوة الإسلامية إلى فقه منهجي ناضج لتوقيع الدّين بحسب هذه المراحل هو الذي نراه سببًا مهمًّا في تأخّر إثمارها في مجال التطبيق، ولذلك فإن الضّرورة ملحة في سبيل ترشيد الصّحوة ودفعها إلى غايتها، لقيام فقه منهجي ناضج تمارس به دعوتها العملية لبسط سلطان الدّين في مختلف مظاهر الحياة.

ولسنا ندّعي أنّ في هذا الكتاب عرضًا مستوفى لهذا الفقه المنهجي المرشّد للصّحوة عمليًّا، فذلك لا يتمّ إلا بتضافر جهود مخلصة من ذوي الكفاءة، الذين يحملون همّ الصحوة الإسلامية، ويتحمّلون واجب ترشيدها، بل كلّ ما فيه إثارة للمشكل، وتحسيس به، ولفت الانتباه إليه، عسى أن يكون مدعاة للاهتمام بفقه التّدين، والتّفكير فيه، من قبل من لم يكن على وعي به، أو من لم يكن على اقتناع بجدواه، حتى يصبح بذلك هذا الفقه موضوعًا للمطارحة التي تتقدم به في طريق النضج والإثمار.

هذا وإنّي لأدعو الله أن يجعل من صدق النية فيما أبديت من آراء ما يكون به التجاوز عمّا أكون قد وقعت فيه من خطأ، وأدعو المخلصين من أهل الدّين والعلم إلى تصويب ذلك الخطأ والتّنبيه إليه فالمؤمن مرآة المؤمن، وفوق كلّ ذي علم عليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الدكتور عبد المجيد النجار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت