الصفحة 110 من 233

وأما النزعة الاستهلاكية فإنها ناشئة عن الإغراءات الأخّاذة التي تمارسها وسائل الإنتاج الصناعي الغربي، فيما تصنعه من معدات الرفاه المتنوعة، وما تبذله من جهود في الدعاية لها انطلاقًا في ذلك كله من فلسفة الربح والمتعة، التي بنيت عليها العقلية الغربية بأكملها.

لقد أدّت هذه السياسة الاستهلاكية، التي تغلغلت في العالم الإسلامي، إلى نشوء شراهة فظيعة للاستهلاك الشامل في جميع مرافق الحياة، وصارت النفوس لاهثة وراء رفاهية المأكل والملبس والمسكن والمركب، وأصبح ذلك حالًا للمسلمين من أهل المدن، ومن الطبقات الثرية والمتوسطة، حتى غدت النفوس ضعيفة بشراهة الاستهلاك، وأضحى لديها استعداد لركوب كل المراكب في سبيل إشباع تلك الشراهة، ومن ثمة انزلق كثير إلى مخالفات لمقتضيات الدين، ليس على سبيل مخالفة السلوك فحسب، ولكن بالإتيان على أصل التعاليم بالنقض، والتنظير لذلك مذهبيًّا، استجابة لدواعي الاستهلاك المستفحلة.

وقد أدت هذه النزعة الاستهلاكية إلى صفة من الميوعة، المتمثلة في الركون إلى الانقياد، لمن بيدهم ضمانات لتوفير المستهلكات في رتابة واستمرار. فورّث ذلك ضعفًا في الشخصية، وغدت المواقف في الأقوال والأفعال لا توزن بميزان الحق، الذي يجب أن يكون، بل بميزان ما يضمن استمرارية الاستهلاك، إرضاءً لمن يوفرها، وسرى ذلك في أحوال الأفراد، كما سرى في أحوال الأنظمة الحاكمة في علاقاتها الدولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت