الصفحة 109 من 233

ويتفرع هذا العامل إلى عدة فروع، تعدّ كلها آثارًا لهجمة الحضارة الغربية على العالم الإسلامي. ولعل من أهم تلك الفروع فعالية في توجيه الواقع وصنع الأحداث شيوع روح الانهزامية في نفوس المسلمين، وفشوّ النزعة الاستهلاكية فيهم، والرفض المتوتر لجملة الحضارة الغربية من قبل بعض المسلمين.

أما روح الانهزامية فإنها شاعت في نفوس الكثير من المسلمين، لما بهرتهم المنجزات الحضارية الغربية في وجهها المادي على وجه الخصوص، فوقع في النفوس أن مفتاح الخير، ومفتاح الحق، بيد هذه الحضارة وأهلها، بما كسبوا من حقائق العلم، ومن وسائل الرّفاه، ومن أسباب الغلبة. ولما قورن ذلك كله بوضع المسلمين في تخلفه العلمي والمادي، أفرزت تلك المقارنة شعورًا بالانهزام والمغلوبية، وسرى هذا الشعور في الناس بوعي، وبغير وعي، حتى أصبح حالًا من أحوال المسلمين، يوجّه الكثير من مواقفهم وتصرفاتهم، ويكيّف الكثير من نظمهم وأوضاعهم.

وظهر ذلك الشعور الانهزامي، في التقليد لأهل حضارة الغرب تقليدًا تجاوز محاولات التشبه بهم في استثمار منجزاتهم المادية، إلى التشبه بهم في حياتهم الثقافية العامة: أساليب تفكير، وروابط اجتماعية، وعادات وتقاليد، وقوانين وتشريعات، حتى غدا المجتمع الإسلامي في كثير من جوانبه كالنسخة الرديئة من المجتمع الغربي. ولما كانت الحضارة الغربية المقلدة تنبثق من فلسفة مادية مناقضة للعقيدة الإسلامية، التي لا تزال تعمر أذهان المسلمين على نحو من الأنحاء، فإن هذا التقليد اتصف أيضًا بالقلق والاضطراب والتوتر، لتمزقه بين إيديولوجيتين متناقضتين: مادية ينبني عليها الأنموذج المقلّد، وإسلامية تعمر ذهن المسلم المقلِّد. وهذا التقليد المتوتر الناشئ عن روح الانهزامية، كان مؤديًا لانحرافات كثيرة عن الدين في مظاهر مختلفة من الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت