ثالثًا: و بعد هذا الموقف القاسي من أهل الطائف يعود صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليجد قوى الشر تقف في وجهه مانعة له من الدخول و لم يدخلها إلا في جوار مشرك المطعم بن عدي، و في ظل هذا الجو العاصف الملبد بالأخطار تمتد إليه يد الله سبحانه بالعون فيسري به من مكة إلى القدس ثم يعرج به إلى السماوات السبع، و يعود و يحب أن يحمل النبأ إلى الناس، و لكن المشركين كثروا حوله يريدون أن يشيعوا مقالة السوء، فقالوا: أسمعتم بالرجل الذي يدعي النبوة و العقل ماذا يقول؟ لقد ذهب إلى القدس و هي البلاد التي نضرب لها أكباد الإبل أياما و أياما، بأنه قد قضى إليها في ليلة ثم عاد. و يشفق على رسول الله المقربون منه، و المحبون له، الذين أرادوا في بادئ الأمر أن يحكموا العقل و المنطق بعيدا عن مقاييس السماء يقولون: يا رسول الله: أو تحدث الناس بذلك أتريد أن تخبرهم بأمر لا تستوعبه عقول البشر بأنك قد مضيت إلى القدس بالأمس في ليلة ثم عدت إلى مكة في الليلة نفسها.
هنا تبرى الثقة بالنفس، مدعومة بالإيمان بقدرة الله تبارك وتعالى والتوكل عليه والاطمئنان إليه، فيقول عليه السلام:"و الله لأحدثن الناس بأمر الله"ويحاول القوم أن يرجوه و يتوسلوا إليه عليه السلام بأن يؤجل إخبار الناس بالأمر ولكنه يصر على ذلك و يقف إلى الكعبة و يخبر الناس بأنه قد بلغ القدس و وصل إليها.
هذا الموقف لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يعلمنا درسا في الثقة بالنفس إنه مظهر فريد للجرأة في تبليغ الحق و التضحية في سبيل الإيمان، و البعد عن الجبن أو كتمان ما أمر به الله من تبليغ، رغم أنه كان صلى الله عليه و سلم يعلم حق العلم بأنه في إخباره للمشركين بهذا الأمر، إنما يرميهم بما لا قبل لهم باحتماله و أن الحديث الغريب سيوحد صفوفهم فيرمونه بالكذب عن قوس واحدة.