رابعًا: و ينبري الناس لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، يقولون له: يا أبا بكر، أسمعت ما يقول صاحبك؟ إنه يقول بأنه ذهب في ليلة إلى بيت المقدس ثم عاد، و هنا يعطي أبو بكر رضي الله عنه كلمة الفصل، التي لا نقاش فيها و لا استفسار و لا عجب و لا غرابة فيقول رضي الله عنه لمخاطبيه: إن كان قال فقد صدق. ويومها سمي صديقا لأنه قال قبلها، و قال بعدها كما قال في هذا اليوم أيضا كلما سمع رسول الله يحدث، صدقت يا رسول الله.
هذا الموقف الشهم النبيل للصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه يعلمنا درسا في الصدق و الإخلاص، و الاعتقاد الراسخ المبني على قواعد صلبة متينة في صدق القائد والزعيم. والثقة الأكيدة المطلقة في حسن نوايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فلا شك في الأمر و لا مناقشة له، إنما كان قال شيئا صلى الله عليه وسلم فقد صدق، و لعل هذا الموقف يتطلب من كافة القيادات والزعامات أن تعمل جاهدة على غرس الثقة المتينة القوية بينها و بين شعوبها لتكون هذه الشعوب صادقة مخلصة في التعامل مع قياداتها.
خامسًا: لقد جاءت حادثة الإسراء و المعراج إبان ظروف قاسية، و معاناة مريرة تحمل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم العذاب والهوان من الناس و بذل آخر مجهود سلمي يستطيع أن يبذله بشر، و من هذه الأجواء الغاصة بالألم انبثق الأمل و صعد رسول الله صلى الله غليه وسلم إلى السماء، فأشاعت هذه الحادثة في نفس الرسول عليه السلام الأنس و الأمل و الرضى، و كأن لسان حال هذه الحادثة يقول للرسول صلى الله عليه و سلم: يا محمد إذا هنت على الناس: و صدك الجميع، و ودعك سندك و عضدك عمك أبو طالب بوفاته، و ودعتك ظلك و سكنك زوجك خديجة بوفاتها، فاعلم أن الله معك {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (الضحى: 3 - 5) .