العجيب في الأمر أن ابن حريوة أوغل في عداوته للشوكاني فزعم أن أباه كان يهوديا، ووصفه بابن اليهودية، فأخذ الكوثري هذا الكذب فطار به فرحا وكرره في مقالاته، فعجبت كيف أن هذا الرجل الذي كان نائبا للمفتي العثماني، والذي لا يجاوز كعب الشوكاني علما وأثرا يكبو هذه الكبوة فيصدق الشيعي المعتزلي المقتول بتهمة الردة في حق إمام من أئمة المسلمين، ولكنه التعصب المقيت الذي أوقعه في هذا الجور، وهو ذاته الذي أوقعه في طوام أخرى.
لقد وجدت الكثير من المتعصبين للمذاهب يقعون في عرض الشوكاني ويقللون من جهوده وعلمه، ويسمه البعض بالقاضي كالبنوري من متأخري الحنفية، مع أن أبا يوسف والكثير من فقهاء الأحناف كانوا قضاة، كما أن القضاء ليس ذما حتى يتندر به المتندر بل هو مزية لصاحبها كونه يعني معايشة صاحبها لهموم الناس ومشاكلهم واكتسابه الخبرة العملية في تنزيل الأحكام على الواقع، بل إن القضاء أبرز موقع وأفضله لمعرفة أحوال الناس وعاداتهم وأعرافهم وهذا من شروط الاجتهاد، فكيف بعد ذلك كله يوصم صاحبه بكونه قاضيا تقليلا من شأنه.
وأنت إذا أردت معرفة المتعصب المذهبي عرفته بوقوعه في مشايخ الإسلام: ابن تيمية وابن القيم وابن الوزير وابن الأمير والشوكاني، لأن هؤلاء كانوا دعاة حق لنبذ التعصب محاولين إخراج الأمة مما غرقت فيه من التقليد المقيت رغم وضوح الحق في كثير من الأحيان خصوصا بالنسبة لمن بلغ مرتبة عليا في العلوم الشرعية ومع هذا يحجز نفسه في بوتقة التقليد لسبب أو لآخر.
لقد عانى الشوكاني من متعصبة الزيدية كما عانى من متعصبة المذاهب السنية لا لشيء إلا لأنه عمل بما أوجبه عليه الشرع وهو الاجتهاد والدعوة إليه لكل مؤهل لذلك، وهذا ما لم يقبله البعض ولهذا كان الشوكاني شوكة في حلوقهم.
صلة الفقه بالعلوم العصرية: