ابنه نابت ثم تغلبت جرهم على مكة وحكمتها...واستمر حكم جرهم حتى بعدت عن شرع الله ودينه الحنيف وطغت وبغت وكثر فسادها وظهرت الفاحشة -حتى زنى رجل اسمه"أساف"بامرأة يقال لها"نائلة"وكانت عقوبة الله عليهما مباشرة - وسخطهما تمثالين في الكعبة للعبرة ثم عبد الناس هذين التمثالين فيما بعد.
والراجح أن بعض من حج إلى بيت الله ظل مقيما إلى جوار جرهم ولم يعد إلى موطنة ويقال إن منهم من استوطن غربي مكة، وانقسمت جرهم إلى حيين سكنيين الأول في سفوح أجياد والثانى بشمالى المسجد الحرام في أعالى مكة المكرمة وهو ما يعرف اليوم بشعب عامر وكانت سكنى المكيين حينئذ في سفوح الجبال وشعابها حول مكة ولم يكن بالوادى سوى بيت الله الحرام (1) ثم جاءت خزاعة من اليمن إثر سيل العرم وسكنت قرب مكة فلما فسدت جرهم وبغت قامت إليها خزاعة ووقف بنو إسماعيل على الحياد فتغلبت خزاعة وأجلت جرهم عن البيت (2) ويقال إن بنى إسماعيل وجرهم من ساكنى مكة ضاقت عليهم مكة فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش وكان لا يخرج من مكة مسافر منهم إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة وبالكعبة حيثما حلو وضعوه فطافوا به كالطواف بالكعبة ثم توالت الأجيال ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وكان عمرو بن لحى أول من نصب الأصنام بالكعبة وأمر الناس بعبادتها والتمسح بها حتى كان يوم الفتح فكان حول الكعبة ثلاثمائة وسبعون صنما وكسرت جميعا وأحرقت يوم الفتح (3) وهكذا حكمت خزاعة مكة وفى عهد أحد حكامها وهو"عمرو بن لحى الخزاعى"والذى رأى أن أهل الشام يعبدون الأصنام فأخذ منهم صنمًا يقال له"هبل"وعاد به إلى مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه فكان أول من أدخل عبادة الأصنام فى
(1) ملامح من تاريخ مكة المكرمة هانى ماجد فيروزى
(2) التاريخ الإسلامى محمود شاكر الجزء الأول ص90: 95
(3) تاريخ مكة - الأزرقى ص120، 1220