المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: { أنكاثا } وجوه: الأول: قال الزجاج: أنكاثًا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله: { أنكاثا } بمعنى المصدر؟ الثاني: قال الواحدي: أنكاثًا مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعًا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعًا وأجزاء فكذا ههنا قوله: نقضت غزلها أنكاثًا أي جعلت غزلها أنكاثًا . الثالث: إن قوله: { أنكاثا } حال مؤكدة .
المسألة الخامسة: قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلًا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثًا .
ثم قال تعالى: { تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ } قال الواحدي: الدخل والدغل الغش والخيانة . قال الزجاج: كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ، وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد .
ثم قال: { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } أربى أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك . وقوله: { أَن تَكُونَ } معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله: { تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ } استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى: أتتخذون أيمانكم دخلًا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى .
ثم قال تعالى: { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي: { وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، والله أعلم .
وفي التفسير الوسيط (1) :
وقوله: { غزلها } اى: مغزولها ، فهو مصدر بمعنى المفعول . والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاى .
.من باب ضرب . يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا .
والجار والمجرور في قوله { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } متعلق بالفعل { نقضت } أى: نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه .
و { أنكاثا } حال مؤكدة من { غزلها } ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت .
والأنكاث: جمع نكث - بكسر النون - ، بمعنى منكوث أى منقوض ، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ثانيا ، والجمع أنكاث كحمل وأحمال .
يقال: نكث الرجل العهد نكثا - من باب قتل - إذا نقضه ونبذه ، ومنه قوله - تعالى - { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } قال ابن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه .
وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده . وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا .
والمعنى: كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم ، ولا تنقضوها بعد إبرامها ، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء ، التى كانت تفتل غزلها فتلا محكما ، ثم تنقضه بعد ذلك ، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة . .
فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثه في عقلها ، مضطربة في تصرفاتها .
وقوله - سبحانه -: { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } .
إبطال للأسباب التى كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود .
والدَّخَل - بفتح الخاء -: المكر والغش والخديعة . وهو في الأصل اسم للشئ الذى يدخل في غيره وليس منه .
قال الراغب: والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدَّغلَ ، وعن الدعوة في النسب . . . ومنه قيل: شجرة مدخولة - أى ليست من جنس الأشجار التى حولها .
وقوله { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ . . . } متعلق بقوله { تتخذون } .
وقوله { أربى } مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة . يقال: رَبَا الشئ يربوا إذا زاد وكثر .
والمعنى: ولا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها ، حالة كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة ، من أجل أن هناك جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى .
قال القرطبى: قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فنهاهم الله - تعالى-: أن ينقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا . . .
وقال الفراء: المعنى: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم ، أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2563)