والحكمة في ذلك أن الحسنة بعشرة أمثالها فصومها كصوم الشهر، ومن ثم سن صوم ثلاثة من كل شهر ولو غير أيام البيض، فإن صامها في أيام البيض أتى بالسنتين، والأحوط صوم الثاني عشر معها أيضا للخروج من خلاف من قال إنه أول الثلاثة.
ويسن صوم أيام الليالي السود وهو الثامن والعشرون وتالياه وينبغي أن يصوم معها السابع والعشرين احتياطا.
وخصت أيام البيض والسود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور والثانية بالسواد، وخوفا ورهبة من ظلمة الذنوب
وستة من شوال، وتتابعها أفضل.
ويسن صوم ست من شوال لقوله صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر"رواه مسلم، أي من صامها مع رمضان كل سنة تكون كصيام الدهر، أما لو صام ستا من شوال في بعض السنين دون بعض فالسنة التي صام الست فيها يكون كصومها سنة والتي لم يصم فيها تكون كعشرة أشهر.
وقوله في الحديث:"كصيام الدهر"أي فرضا أي ثوابه كثواب الفرض وإلا لم يكن لخصوصية رمضان وستة من شوال معنى، إذ من صام شهرا غير رمضان مع ستة من غيره يحصل له ثواب الدهر أي السنة، لأن الشهر بعشرة أشهر والستة أيام بشهرين، لأن الحسنة بعشر أمثالها، وحاصله أن من صامها مع رمضان كل سنة يكون كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة، ومن صام شهرا وستة غيرها يكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة (بج) .
وهل يكون هذا الأجر لمن صام رمضان أم لغيره كذلك؟
هنا صور:
الأولى: أن يفطر رمضان كله بغير عذر، فيلزمه قضاء رمضان فورا، أي من ثاني العيد، قال (م ر) و (خط) و (سم) -خلافا لـ (حج) :يحصل له ثواب الست في ضمن القضاء الفوري إذا قصدها أيضا أو أطلق فهم يقولون بتداخل الصيامين، إلا أن ثوابه هنا لا يكون كاملا، وقال (حج) يصوم شوال عن رمضان ثم يقضي الست في ذي القعدة، لأن ما فاته صوم راتب يسن له قضاؤه.
الثانية: أن يفطر بعض رمضان بغير عذر، وهذا إذا بقي من شوال ستة أيام وصامها كان له الثواب لكنه ليس كاملا، وهو أكمل من السابق.
الثالثة: أن يفطر رمضان كله بعذر، يندب له صوم الست وله ثوابها، وهو كمن صام رمضان لعذره، إذ لو لم يكن هناك عذر لصامه، فله أجره كاملا إلا أن من صامه حقيقة أكمل، ولو قضى رمضان في شوال حصل له الأجر غير الكامل.
الرابعة: أن يفطر بعض رمضان بغير عذر، لو قضى ما عليه ثم صام الست كان أجره أكمل من السابق ودون من صامه حقيقة.
وحصول الثواب لمن صام في شوال قضاء عن رمضان أو غيره كعاشوراء أو نذرا أو نفلا آخر حصل له ثواب تطوعها، لأن المدار على حصول الصوم في ستة أيام من شوال.
لكن لا يحصل له الأجر الكامل أي المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، لاسيما من فاته رمضان وصام عنه شوالا؛ لأنه لم يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستا من شوال.
وتحصل السنّة بصومها متفرقة لكن تتابعها أفضل عقب العيد مبادرة للعبادة ولما في التأخير من آفات.
تنبيه: قد يوجد للصوم سببان كوقوع عرفة وعاشوراء يوم اثنين أو خميس وكوقوعهما في ستة شوال فيتأكد صوم ما له سببان رعاية لكل منهما، فإن نواهما حصلا كالصدقة على القريب صدقة وصلة، وكذا لو نوى أحدهما فيما يظهر (بج) .
ويكره إفراد الجمعة
لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده"رواه الشيخان، وليتقوى بفطره على الوظائف المطلوبة فيه.
وإفراد السبت.
ويكره أيضا إفراد السبت أو الأحد بالصوم لحديث:"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم"رواه الترمذي وحسنه، ولأن اليهود تعظم يوم السبت والنصارى يوم الأحد.
وخرج بإفراد كل من الثلاثة جمعه مع غيره ولو الجمعة مع الأحد، أو جمع غيرها معها قلها أو بعدها فلا يكره جمع الجمعة مع السبت ولا السبت مع الأحد لأن المجموع لا يعظمه أحد.
وتندفع الكراهة لو عزم على صوم الجمعة والسبت معا أو السبت والأحد معا ثم صام الأول و عنّ له ترك اليوم الثاني، وإلا لزم الحكم بكراهة الفعل بعد انقضائه، لانتفائها حال التلبس به ما دام عازما على صوم ما بعده وهو بعيد.
ومحل كراهة إفراد ما ذكر إذا لم يوافق عادة له فإن كان له عادة كأن اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوما منها لم يكره كما في صوم يوم الشك ولحديث مسلم"لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"وقيس بالجمعة الباقي.
وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه، لمن خاف به ضررا أو فوت حق، ومسنحب لغيره.
لا يخلو صائم الدهر من حالتين:
الأولى: أن يصوم الهر كله بما فيه أيام العيد والتشريق فهذا حرام لحديث:"لا صام من صام الأبد"
الثانية: أن يصوم الدهر غير الأيام التي يحرم صومها فلا يخلو من حالتين:
1 -أن يخاف ضررا أو تفويت حق واجب أو مندوب، بسبب الصوم، فهذا مكروه، كما في حديث أبي الدرداء وفيه:"إن لربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ... الخ"أخرجه البخاري.