فلو عجز عن الجميع استقرت في ذمته على الأظهر، فإن قدر على خصلة فعلها.
لو عجز عن جميع الخصال المذكورة استقرت الكفارة في ذمته على الأظهر، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بأن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه فدل على أنها ثابتة في الذمة، لأن حقوق الله تعالى المالية إذا عجز عنها العبد وقت وجوبها: فإن كانت لا بسبب منه كزكاة الفطر لم تستقر، وإن كانت بسبب منه استقرت في ذمته.
أما عدم ذكره - صلى الله عليه وسلم - الاستقرار للأعرابي إما لفهمه من كلامه - صلى الله عليه وسلم -، أو لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة -وهو وقت القدرة- جائز.
ثم لو قدر عل خصلة من خصال الكفارة فعلها فورا وجوبا، لأنكل كفارة تعدى بسببها يجب الفور فيها، ولو قدر على أكثر من خصلة رتّب.
والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لشدة الغلمة.
الغلمة -بغين معجمة مضمومة ولام ساكنة-: شدة الحاجة للنكاح، فمن كان شديد الغلمة يجوز لع العدول عن الصوم على الإطعام، لأن حرارة الصوم وشدة الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع، ولو في يوم واحد من الشهرين، وذلك يقتضي استئنافهما لبطلان التتابع وهو حرج شديد، وورد أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أمر المكفر بالصوم قال: يارسول الله وهل أتيت إلا من الصوم، فأمره بالإطعام.
وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله.
ألأصح أنه لا يجوز للفقير المكفر صرف كفارته على عياله كالزكاة وسائر الكفارات.
أما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:"أطعمه أهلك"فيحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، أو أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم للإعلام بأنها إنما تجب بعد الكفاية وأنه تطوع التكفير عنه، وسوغ له صرفها لأهله للإعلام بأن لغير المكفر التطوع بالتكفير عنه بإذنه، وأن له صرفها لأهل المكفر عنه، أي وله فيأكل هو وهم.
لكن يبقى الكلام على ما تقرر في العدد المصروف إليه قال (مر) : يجوز كون عدد الأهل ستين مسكينا، أي لا يشترط أن يكونوا جميعا ممن تلزمه نفقتهم كما قاله (ع ش) وبه يندفع قول (سم) : إن كون أهله ستين مسكينا من أبعد البعيد.
خاتمة: من فاته شيء من رمضان استحب أن يقضيه متتابعا، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم.
باب صوم التطوع
التطوع: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.
وللصوم من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله ولهذا أضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
وهو ينقسم إلى قسمين: قسم لا يتكرر كصوم الدهر، وقسم يتكرر في أسبوع أو سنة أو شهر.
يسن صوم يوم الإثنين والخميس.
يسن صوم هذين اليومين والمحافظة على صومهما، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صومهما وقال:"إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم"رواه الترمذي وقال حديث حسن، والمراد عرضها على الله تعالى.
وعرفة.
ويسن بل يتأكد صوم يوم عرفة وهو تاسع ذي الحجة لغير الحاج لحديث مسلم:"صيام يوم عرفة احتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
وهو أفضل الأيام لحديث مسلم:"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة".
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"فمحمول على غير يوم عرفة بقرينة ما ذكر، والمكفر الصغائر دون الكبائر، قال (ق ل) :"عممه ابن المنذر في الكبائر أيضا، ومشى عليه صاحب الذخائر -أي مجلي- ومال إليه شيخنا الرملي في شرح المنهاج".
ويسن صوم ما قبل يوم عرفة من الثمانية أيام للحاج وغيره.
وعاشوراء وتاسوعاء
ويسن صوم عاشوراء، وهو عاشر المحرم لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه""أحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله"أخرجه مسلم، أي سنة كاملة أخرها عاشوراء، ومن صامه مثلا عن قضاء أو نذر حصل له ثواب يوم عاشوراء."
وفارق عرفة بأنه من خواص هذه الأمة بخلاف عاشوراء لمشاركة موسى لنا فيه.
و يسن صوم تاسوعاء وهو تاسع المحرم لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع فمات قبله"رواه مسلم.
وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء:
1 -الاحتياط له لاحتمال الغلط في أول الشهر.
2 -مخالفة اليهود فإنهم يصومون العاشر.
3 -الاحتراز من إفراده بالصوم كما في يوم الجمعة
فإن لم يصم معه تاسوعاء سن أن يصوم معه الحادي عشر بل نص الشافعي على استحباب صوم الثلاثة وعاشوراء وتاسوعاء.
وأيام البيض
ويسن صوم أيام البيض وهي: اليوم الثالث عشر وتالياه من كل شهر، للأمر بصومها في النسائي وصحيح ابن حبان، وفي ذي الحجة يصوم السادس عشر أو يوما بعده بدل الثالث عشر كما بحثه (حج) لحرمة صوم الثالث عشر.