فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 120

الباب الثاني

السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله

1 -لا دعوة إلى الله إلا بالحكمة

فرض الله على رسوله والمؤمنين به أن يدعوا إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن الله قيَّد هذه الفرضية بالحكمة والبصيرة، كما قال سبحانه وتعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ، وقال أيضا: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} . والحكمة تعني قواعد كثيرة وأصولا عظيمة بيَّنها لنا الله في كتابه وبيَّنها رسوله أيضا، إذ هو المبعوث بالحكمة صلى الله عليه وسلم، وغاية الحكيم أن يضع كل أمر في نصابه وأن يصل إلى غايته بأسهل الطرق وأقل الأخطار والتضحيات وقد وضع علماء أصول الفقه وأصول الدعوة قواعد أخذوها بالنص من الكتاب والسنة أو بالاستنباط منهما والاستقراء ومن هذه القواعد: [لا يُلدَغ المؤمن من جحر مرتين] (متفق عليه) ، وهي تفيد وجوب الحذر وعدم جواز الوقوع في نفس الخطأ مرتين، و (دفع المفاسد أولى من جلب المصالح) ، وهذه القاعدة مستفادة من ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لتحطيم الأصنام في مكة، وانتظار امتلاكه للقوة التي مكنته من تحطيمها عند الفتح، مع أنه صلى في مكة إلى الكعبة والأنصاب والأصنام منصوبة عليها، وكذلك صلى في المدينة إلى الكعبة بأمر الله والأصنام عليها، أيضا، وكذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم لهدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم، وذلك خوف الفتنة وارتداد العرب، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه السيدة عائشة في البخاري: [لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة حجرًا حجرًا وبنيتها على قواعد أبي إبراهيم] ، ولكنه خشي ارتداد العرب الذين كانوا يعظِّمون الكعبة، وقد يتهمون الرسول بتبديلها فتنفر قلوبهم، فهذا والذي قبله دليل على القاعدة الآنفة وهي: أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، فلا شك أن في تحطيم الأصنام فائدة، ولكن المفاسد التي كانت ستحصل من وراء ذلك كثيرة عظيمة، فأيسرها إخراج الرسول من مكة في وقت لم يكن هناك بلد مهيأ لاستقباله، وكان من الممكن أيضا أن يقتل المسلمون ويضيق عليهم وبذلك يضيع الإسلام، ولاشك أن الإسلام يضيع بضياع المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر: [اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد] رواه البخاري.

ولذلك فإن أعظم مصالح المسلمين يكمن في بقاء جماعة المسلمين، ولذلك شرع الله للمسلمين من السياسات ما يستطيعون حماية أنفسهم، كما أجاز لهم إخفاء معتقدهم أحيانا، وقول كلمة الكفر في الفتنة والاضطرار، وأجاز لهم الخداع في الحرب والاستعانة ببعض المشركين على بعض، ولكل هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت