ذنبك عظيما ولكنك مستعد للاعتراف به والتنازل عنه فإنه يتحول إلى مخالفة صغيرة ... وبعد هذه الامتصاص للنقمة قال تعالى: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أشد من القتل} أي لقد ارتكبتم أيها الكفار (كفار مكة) ذنوبا أعظم من ذلك فقد صددتم الناس عن سبيل الله وكفرتم به وكفرتم بالمسجد الحرام والشهر الحرام، وأخرجتم أهل هذا المسجد الحرام منه واستحللتم دماءهم وفتنتوهم عن دينهم، هذه الفتنة أي التعذيب أكبر من القتل فهل تعدون أخطاء غيركم وتنسون أخطاء أنفسكم وبهذا رد الله سبحانه وتعالى سلاحهم عليهم وقتلهم به، ثم مسح الله سبحانه على أخطاء المجموعة المجتهدة فقال: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك سيرحمهم الله، والله غفور رحيم} .
وبذلك استطاع المسلمون العبور السريع فوق هذا الخطأ، فلم يتبجحوا بأنه صواب ويكابروا بالباطل، ولم تستطع دعاية العدو وأكاذيبه أن تصيبهم بعقدة الذنب وتقعدهم عن الدعوة، وإنما اعترفوا بخطئهم وتجاوزوه بمقارنته بالأخطاء العظيمة التي يرتكبها عدوهم معهم.
واليوم ابتلينا بمن يتصدر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فيستحلون الاغتيالات السياسية والأعمال الهمجية الغوغائية، والاستعانة على الباطل بالباطل، وإذا جئت تنصحهم وتقول لهم إن هذه أخطاء اتهموك بالكفر والزندقة والمروق ومخالفة سبيل المؤمنين والمجاهدين، وإن قلت لهم اعترفوا بأخطائكم لتتجاوزوها زعموا لأنفسهم وقادتهم العصمة أو أنكروا الحقائق وجادلوا بالباطل، ولولا أن الدين الذي يحتمون فيه عظيم -وقد نشره غيرهم- لما وجد أمثال هؤلاء طريقًا إلى قلوب الناس وعقولهم.