فإنهم بذلك يشلون حركتهم ويصرفون الناس عن طريقهم. وإذا كان أعداء الإسلام يلجؤون عادة إلى الكذب والافتراء والتشويه، فكيف إذا وجدوا من واقع أحوال الدعاة إلى الإسلام ما يكفيهم عناء الكذب والافتراء.
باختصار إذا أراد أصحاب أي دعوة أن يقفلوا الطريق في وجوه أنفسهم، وأن يفشلوا في رسالتهم الإعلامية، فما عليهم إلا أن يرتكبوا مجموعة من الأخطاء المتعمدة لا يستطيعون الاعتذار عنها، وبذلك يحصلون على تقاعد دائم وإلى الأبد.
وكفار مكة الذين جابهوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتمنون أن يجدوا خطأ واحدا يستطيعون إشهاره وتطييره مع الركبان في كل مكان ليحجبوا الناس عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يجدوا هذا الخطأ، فقد التزم النبي والمسلمون معه بمكة جانب الصبر على الأذى، والرد بالحسنى على إساءة المجرمين {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا} والدعوة والجدال بالتي هي أحسن، وبذلك جرَّدوا أعداءهم من أي ذريعة يستطيعون التذرع بها لقتلهم وإفنائهم، فما للمسلمين عندهم من جرم إلا أن قالوا ربنا الله!! وهل هي جريمة أن يعرف إنسان ربه، وأن يعبده دون ضغط أو إكراه أو إغراء من أحد.
وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وتغيَّر تبعًا لهذه الهجرة موقف النبي صلى الله عليه وسلم وابتدأ إرسال السرايا والبعوث لقطع طريق قريش الشمالي إلى الشام والجنوبي إلى اليمن، كان من هذه السرايا الجنوبية سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه التي التقت بعير قادمة من اليمن لقريش عليها عبدالله بن الحضرمي، وكان ذلك في الليلة الأخيرة من شهر رجب، وهو شهر محرم فيه القتال في الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإقرار هذا العرف الجاهلي لما فيه من مصالح عظيمة، وجد عبد الله بن جحش أنه إن هاجم قافلة ابن الحضرمي هاجمها في شهر حرام وإن صبر إلى الليلة التالية دخلت أرض الحرم ولا يجوز فيها قتال أبدا فاستشار أصحابه واستقر على مهاجمة القافلة فقتلوا ابن الحضرمي واستاقوا الغنائم إلى المدينة، ووجدت قريش بغيتها في هذا الأمر، وطيَّرت الركبان بأخبار اعتداء النبي صلى الله عليه وسلم على قافلتها في الشهر الحرام، وكانت العرب تُعظِّم الشهر الحرام أيما تعظيم ويلقى الجاهلي فيه قاتل أبيه وأخيه فلا يسل السيف في وجهه، وكان هذا الخطأ كافيًا في صد الناس عن دعوة الإسلام .. ولما وصلت السرية المدينة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام!!] وحزن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أنزل قرآنا ليعلمنا كيف نخرج من أخطاء الاجتهاد فقال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير} أي القتال في الشهر الحرام كبيرة من الكبائر وبهذا الاعتراف امتص النبي صلى الله عليه وسلم غضب الناس ونقمتهم فمهما كان