ولقد حافَظ الشَّرْعُ على حرمة والدَيْ غيرك، فإن انتَهكتَ حرمتهما لأحدٍ بسِبابٍ فردَّ عليك فسبَّ والديك، كنتَ أنت السابَّ لوالدَيْك؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من أكبر الكبائر أن يلعَن الرجل والديه ) )، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (( يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسبُّ أمَّه فيسب أمَّه ) )؛ (متفق عليه) .
قال الذهبي في"الكبائر": (موعظة) أيُّها المضيِّع لآكَد الحقوق، المعتاض من بر الوالدين العقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عمَّا بين يديه، برُّ الوالدين عليك دين، وأنت تتعاطاه باتباع شين، تطلب الجنة بزعمك، وهي تحت أقدام أمِّك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنَّها تسع حجج، وكابدت عند الوضع ما يُذِيب المُهَج، وأرضعَتْك من ثديِها لبنًا، وأطارت لأجلك وسنًا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرَتْك على نفسها بالغذاء، وصيَّرت حجرتها لك مهدًا، وأنالَتْك إحسانًا ورفدًا، فإنْ أصابَك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، ولو خُيِّرَتْ بين حياتك وموتها، لطلبت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عامَلْتَها بسوء الخُلُق مِرارًا، فدعت لك بالتوفيق سرًّا وجهارًا، فلمَّا احتاجَتْ عند الكبر إليك، جعَلْتَها أهون الأشياء عليك، فشبعت وهي جائعة، ورويت وهي قانعة، وقدمت عليها أهلَك وأولادك بالإحسان، وقابلت أياديها بالنِّسيان، وصَعُب لديك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، هجرتها ومَن لها سواك تصير.
هذا، ومولاك قد نهاك عن التأفُّف، وعاتبك في حقِّها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالبُعد عن ربِّ العالمين، يُنادِيك بلسان التوبيخ والتهديد: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10] (انتهى) .
وبعد، فما تتَّسِع المجلدات لبيان حقِّ الوالدين، وعظم ثواب البر، وفحش العقوق وسوئه، ولكن نكتفي بذلك القدر.
والآن مع بعض المسائل في العتق وحقوق الوالدين في ذلك.