وممَّا يدُلُّ على عظم حقِّ الوالدين وفحش عقوقهما:
أولًا: أنَّ الله - سبحانه - قرَن في مواضع متعدِّدة من كتابه بين الواجب الأوَّل وهو توحيده - عزَّ وجلَّ - وبين الإحسان إلى الوالدين.
ثانيًا: أنَّ الله - سبحانه - امتَدَح من أنبيائِه يحيى وعيسى بسبب ذلك فقال في شأن يحيى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 14] ، وفي شأن عيسى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32] .
ثالثًا: تعليق الخروج للجِهاد والهجرة على إذنيهما.
رابعًا: أنَّ الله - سبحانه - أمَر بالمعروف في صحبتهما بعد قوله: {فَلَا تُطِعْهُمَا} [لقمان: 15] ؛ أي: إذا جاهَداك على الشِّرك فلا يُباح عندئذٍ العقوقُ أو فحشُ القول، مع أنَّه لا تجوز طاعتهما في ذلك.
خامسًا: الأمر بالبرِّ للوالدَيْن ولو كانَا كافرَيْن، فلمَّا استَأذَنت أسماءُ بنت أبي بكرٍ في صلة أمِّها الكافِرَة قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم: (( صِلِي أمَّك ) ) [1] .
سادسًا: أنَّ برَّ الوالدَيْن لا ينقَطِع بموتهما إنما يستمرُّ بالدُّعاء لهما بعد الموت، والعمل بوصيَّتهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرَّحِم التي من طريقهما.
سابعًا: إذا أمَرَا ولدهما بطَلاق زوجته فعليه الامتثال؛ لحديث ابن حبَّان أنَّ رجلًا أتى أبا الدرداء، فقال: إنَّ أبي لم يزَل بي حتى زوَّجني، وإنَّه الآن يَأمُرني بطلاقها، قال: ما لنا بالذي آمُرك أن تعقَّ والديك، ولا بالذي آمُرك أن تطلِّق امرأتك، غير أنَّك إن شئت حدَّثتك بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول: (( الوالد أوسَط أبواب الجنَّة، فحافِظ على ذلك الباب إن شئتَ أو دَع ) )، قال: أحسب عطاء قال: فطلقها [2] .
وحديث أبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان تحتي امرأةٌ
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم 262 .... ) ، ومسلم (1003/ 49، 50) ، من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما.
(2) صحيح. أخرجه ابن حبان في"صحيحه" (425 - الإحسان) وقد أخرجه أيضا: أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحميدي، والطيالسي، والحاكم وغيرهم، وانظر:"الصحيحة" (رقم 913) .