الصفحة 8 من 21

المزرية قائلا"وذهب أهل الأندلس من الانشقاق، والانشعاب، والافتراق، إلى حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعباد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب، اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار،...، وقصارى أحدهم يقول:"أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه !"ولو جاءه عمر بن عبد العزيز، لم يقبل عليه، ولا لقي خيرًا لديه؛ ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعمارًا، وخلَفوا آثارًاّ، وإن كانوا لم يبالوا اغترارًا من معتمد ومعتضد ومرتضى وموفق ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور ومتوكل، كما قال الشاعر:"

ممَّا يُزهّدني في أرض أنْدلسٍ *** أسماءُ مُعتضدٍ فيها ومعتمدِ

ألقابُ مملَكَةٍ في غير مَوْضِعها *** كالهِرِّ يحكي انتفاخًا صَوْلَة الأَسَدِ..." [1] "

وهذه الفرقة من أكبر عوامل الهزيمة. وصدق عليهم بذلك قول الله تعالى:"ولا ... تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين" [2]

وبتفرقهم هذا طمع فيهم عدوهم، فجمع عدو الله"الأذفونش""ألفونسو"جيشا عظيما لكي يستأصلهم بيضتهم ويبيدهم عن أرضهم. فبدأ بإذلالهم واحدا واحدا، بل وصلت الذلة ببعضهم أن بدأ يعطي الجزية لعدو الله الأذفونش، وبمالهم كان يغزوهم، فقد"تحرك الاذفنش لعنه الله في جيوش لا تحصى من الروم ومن الإفرنج والبَشْكُنْس والجلاقة وغيرهم، فشق بلاد الأندلس شقاًّ يقف على كل مدينة منها ثلاثة أيام فيفسد ويخرب ويقتل ويسبي ويرتحل إلى غيرها؛ ونزل على إشبيلية فأقام عليها ثلاثة أيام؛ فأفسد أحوازها وهتكها؛ وخرَّب بالشرق قرى كثيرة، وكذلك فعل بشذونة وأحوازها؛ ثم سار حتى وصل إلى جزيرة طريف فأدخل قوائم فرسه في البحر وقال:"هذا آخر بلاد الأندلس قد وطئته"، ثم رجع إلى مدينة سَرَقُسطة؛ فنزل عليها وحاصرها وحلف أن لا يرتحل عنها حتى يدخلها أو يحول الموت بينه وبين ما يريد؛ وأراد أن يقدمها بالفتح على غيرها من بلاد الأندلس" [3] .

(1) ) التاريخ الأندلسي من خلال النصوص، ص: 96 نقلا عن كتاب"مواقف المرابطين من دفع بغي السلاطين .لعبد العلي بلامين. ص-26/27"

(2) ) سورة الأنفال الآية 47

(3) روض القرطاس ج:2 ص: 84-50 نقلا عن كتاب مواقف المرابطين من دفع بغي السلاطين ص27/28

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت