قبيل منتصف القرن الثاني الهجري وحتى نهايته، طهرت مؤلفات ذات مناهج خاصة يصعب تحديد أولها تدوينًا، لكنها تشترك في تجميعها لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأقوال الصحابة والتابعين. ومن هذه المؤلفات ما عرف بالمصنفات أو الموطآت أو السنن أو الجوامع أو الأجزاء أو المسانيد وغيرها. ومع الزيادة الكبيرة في عدد المؤلفات الحديثية، خطا التدوين خطوة جديدة في اقرن الثالث الهجري وهي ظهور أنواع من المصنفات خاصة بالأحاديث الصحيحة في شتى الموضوعات كصحيحي البخاري ومسلم. أو بالأحاديث التي اعتمد عليها الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية بغض النظر عن الالتزام بصحة ما فيها من أحاديث كما في السنن الأربعة: وهي سنن أبي داود و الترمذي والنسائي وابن ماجة. وهذه الكتب الستة قدمت على غيرها لمزاياها الكثيرة واعتبرت أشهر دواوين الإسلام وأهمها. وإذا ما أضيف إليها مسند الإمام أحمد، وموطأ مالك، وهو متقدم عليها زمنًا وسنن الدارمي، فإنها تكاد تجمع أغلب الأحاديث النبوية. وتكاد المؤلفات الكثيرة التي كتبت بعد القرن الثالث الهجري - إلا النزر اليسير منها - تعتمد على ما سبقها من تخريج لها أو جمع بينها أو انتقاء منها أو دراسة أو شرح لها أو نحو ذلك.
منزلة الحديث في التشريع
تنص آيات كثيرة على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قول الله عز وجل: {قل أطيقوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} آل عمران: 32. وقوله سبحانه: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} الحشر: 7. وقد وردت نصوص في الحديث النبوي توجب أيضًا اتباعه صلى الله عليه وسلم منها ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة المرفوع (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) . ومنها ما أخرجه أبو داود و الترمذي وغيرهما بإسناد حسن من حديث أبي رافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألقين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) .
فهذه النصوص وما شابهها تثبت حجية السنة ولزوم الأخذ بها. وذهب عدد من العلماء كابن حزم والشاطبي إلى كفر ن أنكر الأخذ بغير القرآن الكريم يريدون بالغير هنا السنة النبوية.
وللعلماء بعد ذلك نظرتان إلى الحديث النبوي: نظرة باعتبار مرتبته فهو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، إذ هو الأصل والمصدر الأول. فالمجتهد يرجع أولًا إلى القرآن الكريم للنظر في الحكم فإن لم يجد رجع إلى السنة النبوية. ونظرة إلى الحديث باعتبار ما ورد فيه من أحكام فهو إما مقرر ومؤكد لحكم ورد في القرآن، أو مبين ومفصل لما ورد مجملًا أو منشئ لحكم ليس فيه نص من الكتاب.